نجوى كرم بلا تاريخ من دون اللهجة المصرية!

رحاب ضاهر - بيروت  |   22 يناير 2011

لا تنفك الصحافة المصرية تفتح النار على نجوى كرم من حين إلى آخر، فتبدأ بالتقليل من قيمتها الفنية بسبب تصريحها الدائم بأنّها لن تغنّي سوى بلهجتها اللبنانية التي مثّلت جسر عبور إلى نجوميتها الكبيرة وتاريخها الفني الذي يمتد لأكثر من عشرين سنة. الفنانة اللبنانية استطاعت أن تتواجد أو أن "تأكل" الساحة كما صرّحت مع نيشان، وتبقى الرقم الصعب بين الفنانات اللبنانيات والعربيات، بل أن تكون دوماً في القمة. 

لكنّ "أم الدنيا" التي ترفض الانفتاح على اللهجة اللبنانية، تعتبر أنّ رفض نجوى الغناء باللهجة المصرية إهانة كبرى لمصر. إذ أنّ بعضهم يعتبرون أنّ مصر ما زالت بوابة العبور إلى النجومية كما كانت منذ خمسين سنة. في وقت انقلبت فيه الموازيين وأصبحت بيروت والخليج بوابتي العبور إلى جمهور متعدد الثقافات والجنسيات، بقيت مصر منغلقة على ذاتها، ترفض الانفتاح على الآخرين أو القبول بإزاحتها من الصدارة في صنع النجوم غير المصريين. علماً أنّه في عصر البث الفضائي، يمكن لأي مغنية درجة عاشرة إصدار أغنية وتصويرها فيديو كليب لتصبح بين ليلة وضحاها أشهر من نار على علم.


نجوى التي تمسّكت بلونها الذي طالما صرحت بأنّها "ريسة" فيه، ترفض دخول ملعب لا تكون فيه الأولى. هذا التمسك بلهجتها ولونها الجبلي الشعبي جعل بعض الأقلام الصحافية تتهم نجوى بضعف الموهبة. بل ذهبت إلى اعتبار أنّها تفتقر إلى مقوّمات النجومية. مثلاً، كتبت الزميلة مها متبولي في صحيفة "روز اليوسف" مقالاً يفتقر كثيراً إلى الدقة والموضوعية، وغلبت فيه العداوة الشخصية لنجوى على النقد الفني. وقد جاء في مقالها "لا تتمتع نجوى كرم بمقاييس المطربة التي تتجاوز محيطها المحلي لتفرض نجوميتها على قطاع أوسع، بل دائماً ما تتحطم رغبتها في الانتشار على صخرة تحرّكها الفني الضيق". وهذا أمر ينافي الحقيقة. لا ذنب لنجوى إن كان اللون الذي تقدمه لا يروق للشعب المصري، في حين أنّ الجميع يذكر ويعرف تماماً أنّها ملكة المسرح بل المسارح الكبرى. والدليل أنّها دوماً نجمة من نجمات قرطاج، وتعتبر حفلاتها من أنجح المواعيد هناك. كذلك، حين كانت تشارك في مهرجان جرش، كانت المدرجات تغصّ بالجمهور الذي كان يردّد معها كل أغنياتها. هذا إضافةً إلى شعبيتها في المغرب والخليج العربي. أما عن مواصفات النجومية لناحية المظهر والأناقة، فجميع خبراء التجميل يؤكدون بأنّ نجوى رمز الجمال لدى النساء وتحديداً في الخليج والمغرب العربي. كما أنّ رشاقتها وأناقتها محط إعجاب السيدات.


من جهة أخرى، تشير كاتبة المقال إلى أنّ مصر لم تغلق أبوابها أمام الأصوات الجبلية كسميرة توفيق وصباح. مع العلم أنّ صباح لم تعرف في مصر ولم تشتهر إلا بعدما دخلت السينما المصرية وقدمت أغنيات مصرية. في حين أنّ المصريين مثلاً لم يسمعوا ربما بأغنية صباح "عا الندى الندى" أو "على الليلاكي عا الليلاكي". صباح مشهورة في مصر باعتبارها صاحبة "يانا يانا" و"ساعات ساعات" والأغاني التي قدمتها في أفلامها. والأمر ينطبق على سميرة توفيق التي شاركت في بعض الأفلام. كما أنّ لون سميرة هو اللون البدوي وليس الجبلي. ولم تحقّق هذه الأخيرة شعبيةً كبيرةً في مصر. وإذا كان ـ كما ذكرت الصحافية في مقالها ــ غناء نجوى بالمصري لن يضيف شيئاً إلى مصر التي لها تاريخها، فإنّ لنجوى أيضاً تاريخها الذي لن يضاف إليه لو غنت بالمصري. فيما تعتبر مقارنة نجوى بإليسا أمراً غير منطقي.

 إليسا لا تزال تنشز على المسرح وتتعرّض للهجوم بعد كل حفلة تغني فيها "مباشر" وخصوصاً في مهرجان قرطاج. ولا أحد يستطيع أن ينكر أنّ الجمهور التونسي هو الجمهور "السميع" رقم واحد وبشهادة جميع الفنانين الذين وقفوا على ركح قرطاج. بل إنّ إليسا توصف بأنّها "بومة مسرح" لأنّ أغنياتها لا تناسب المسارح، في حين أنّ نجوى تعتبر "غولة مسرح". وهذا توصيف يعرفه جيداً النقاد في العالم العربي. وقد اتهمت الكاتبة نجوى بالغيرة من نانسي وإليسا، في حين أنّ "شمس الأغنية اللبنانية" استطاعت أن تحتل المجلات والمواقع الإلكترونية هذا الصيف بأغنيتين فقط وليس "س ي دي" كاملاً. هذا إضافةً إلى جدول حفلاتها الممتلئ دوماً. كما أنّ نجوى اشتهرت بأنّها تعمل طوال العام على اختيار أعمالها وكلماتها وألحانها. وقد عابت الكاتبة على الفنانة اللبنانية استخدامها شجرة الأرز شعاراً لها في أغنيتها التي أنتجتها على حسابها كأنّه عار أو عيب. ما المشكلة بأن تستخدم كرم رمزاً لبنانياً كشعار لها كما يفعل المصريون الذين يستخدمون أبا الهول والأهرامات وغيرها من الآثار الفرعونية كشعار لهم؟ أم أنّه يجب على نجوى وضع الأهرامات شعاراً حتى يرضى عنها بعض المصريين؟


ورغم سمعة الجوائز السيئة التي بات معروفة للجميع، إلا أنّ الكاتبة أشارت إلى جوائز إليسا وخصوصاً "ميوزيك أوورد" مضيفةً أنّ نجوى لم تنل أي جائزة. ولن نعلّق على ذلك. فكلّنا يعرف كيف يتم شراء الجوائز، وكلنّا يتذكّر الفضيحة المدوية التي ترافق توزيع الـ "ميوزيك أوورد" كل عام.


ولم يقف الأمر عند التقليل من موهبة نجوى كرم لدى الكاتبة. بل دخلت في تفاصيل حياتها الخاصة. إذ أشارت إلى أنّها تعيش قصة حب مع علي جابر الذي يشاركها عضوية لجنة التحكيم في برنامج "المواهب العربية" الذي يعرض على "أم. بي. سي 4". وأضافت أنّ نجوى تستغل هذه العلاقة. إذ ورد في مقالها بالحرف الواحد: "يؤكد المحيطون بها أنّ قصة الحب ما هي إلا ستار يخفي وراءه أطماع نجوى كرم في الانتشار. وهذا ليس غريباً. وما أريد أن أؤكده أنّ نجوى استنزفت طاقتها الفنية في الحفلات الخاصة في الخليج، ولم تصنع تاريخاً فنياً تعتمد عليه. فلا هي ارتفعت إلى عرش النجومية لتزاحم المطربات في لبنان، ولا انتبهت إلى القاعدة الجماهيرية العريضة في مصر وتفاعلت معها عبر الأجيال. وكل ما قدمته أنها حصرت نفسها في اللون الجبلي، وما زالت تسير في نفس الخط. فهي لا تضع قدمها إلا في المكان الذي يحدده لها سالم الهندي لتحظى بنصيب وافر في خريطة الحفلات والمهرجانات التي يرسمها بنفسه داخل لبنان، أو عبر أسواق الخليج. وإذا كانت نجوى كرم قد كسبت المال، فإنها خسرت حضور المطربات اللبنانيات وتراجعت نجوميتها، لأن السوق الخليجي الذي يخضع للعرض والطلب يتطلع إلى مقاييس جديدة تتوافر لدى إليسا، وعمرو دياب، ونانسي عجرم، وأحلام، وحسين الجسمي. ولم تطوّر نجوى كرم فنها لتواكب كل المتغيرات."


فات الكاتبة أنّ نجوى كرم تحديداً شكّلت هذا العام مادة يومية للمواقع الالكترونية والصحافة الورقية. ولم يمر يوم من دون أن تتصدّر أخبارها الإعلام العربي والمصري تحديداً. أما لناحية استنزافها طاقاتها في الحفلات الخاصة في الخليج، فهذا أمر يدل على مدى الطلب على نجوى كرم. هي التي تم تفضليها على أحلام لتحيي العيد الوطني الإماراتي، وستشارك في مهرجان التسوق في دبي الذي يقام الشهر المقبل. في المقابل، لم توضح الكاتبة ما هو نوع الانتشار الذي سيقدمه لها عميد كلية الاعلام في الجامعة الأميركية في دبي علي جابر الذي اتهمتها الكاتبة بأنّها تستغله من أجل الانتشار الأوسع. ولم توضح إن كانت أحلام دخلت قلوب المصريين بـ "خليجيتها" أم بقيت هي الأخرى محصورة في إطار المحلية الخليجية مثلها مثل نجوى كرم، ومحمد منير الذي يعتبر من أهم رموز الغناء المصري ونجماً كبيراً في المحروسة، لكنّه غير معروف كثيراً في لبنان. وهذا أمر لا يقلّل من شأنه لكنّه يبقى فناناً محلياً. وكما صرّح المخرج سيمون أسمر منذ سنوات، فإنّ محمد منير لا يحظى بشعبية وانتشار في لبنان رغم أنّ تاريخه الفني يسبق عمرو دياب بكثير، بل يعتبر تاريخاً في الفن المصري تماماً كنجوى كرم التي نسفت الكاتبة تاريخها واعتبرتها بلا تاريخ. هي التي وقفت بجوار الفنان وديع الصافي في الصيف وغنّت طبقة عالية للمرة الأولى في تاريخ امرأة، وأثنى عليها وقتها الكبير وديع الصافي، وشهد لهذه الموهبة الجبارة.


هل تحتاج نجوى كرم لشهادة أكبر من شهادة العملاق وديع الصافي كي تدخل التاريخ؟ أم أنّها تصبح بلا تاريخ فني لأنّها لم تغنِّ باللهجة المصرية؟