الأغنيات الوطنية رسالة أم فرصة لتواجد الفنان على الساحة؟

ياسر المصري - دمشق  |   30 أبريل 2011

لا شك في أنّ الأغنية الوطنية تعتبر بشكل أو بآخر أدباً من آداب الشعوب، سيما أنّها تنتمي إلى الفنون التي يندرج ضمنها النشيد الوطني ويختلف بمضمونه وشكله عن الأغنية الوطنية. فالنشيد هو رمز يحكي تاريخ شعب ويذاع في كل زمانٍ ومكان. وهو ما يميز دولة عن أخرى. أما الأغنية فلا يمكن أن تكون رمزاً لشعب ودولة. لكن يمكن أن تكون رمزاً للانتصار أو النضال.


ليست ظاهرة انتشار الأغنيات الوطنية بالجديدة، بل يعود تاريخها إلى زمنٍ بعيد. ولطالما لازمت الأغنية الوطنية مسيرة أي فنان عربي. حتى أنّ بعضهم أصدر أكثر من أغنية في تاريخه الفني. وهذا يعود طبعاً إلى كثرة الأحداث في العالم العربي.


وكثيرة هي الأغنيات التي تعلّق بها الجمهور وحفظها. حتى أنّ بعضها أصبح خالداً ولا يزال يذاع إلى اليوم. ويرى بعض المتابعين أنّ أغنيات زمان ذات تأثير أكثر من أغنيات اليوم. وفي المقابل، هناك أغنيات أذيعت في مناسبات مختلفة، ولم يعد يتذكرها الجمهور. وهنا، يمكن أن يُطرح سؤال: هل الأغنية الوطنية رسالة الفنان الذي يؤديها أم لازمة ترافق مسيرته فقط؟.


ومع استمرار الأحداث المتسارعة في معظم أنحاء العالم العربي، أصدر الفنانون العرب أغنيات وطنية زاد عددها عن الخمسين. هناك من غنى لثورة "الياسمين" التونسية، فيما سارع البعض الآخر إلى الغناء لـ "ثورة 25 يناير" المصرية. هذا إضافةً إلى الفنانين الذين غنوا لسوريا شعباً ودولةً ورئيساً، ودعوا إلى الحفاظ على اللحمة الوطنية.


وتعتبر أم كلثوم من المطربات اللواتي اشتهرن بالأغنية الوطنية. غنت "صوت الوطن"، و"صوت بلدنا"، و"حق بلادك"، و"نشيد الجلاء". كذلك غنت شادية "يا حبيتي يا مصر" و"أمانة عليكِ أمانة" وغيرهما من الأغنيات التي لاقت نجاحاً كبيراً في مصر والعالم العربي.


وجاءت "أنا أم البطل" للمطربة شريفة فاضل لتسجل نجاحاً ساحقاً في الأغنيات الوطنية. قدمت إحساسها الحقيقي في أدائها كونها كانت أماً لشهيد سقط فداءً للوطن. وتوالت الأغنيات الوطنية بأصوات عبد الحليم حافظ، ونجاح سلام، وصباح، ووردة، ونجاة الصغيرة. وقد اجتمعوا مرةً وقدموا "وطني حبيبي... وطني الأكبر" التي اعتبرت من أغنيات الانتصار إبان حرب أكتوبر. كذلك قدمت فيروز "بحبك يا لبنان" التي تعتبر من الأناشيد الخالدة في ذاكرة اللبنانيين والعرب. كذلك قدم فهد بلان، وعفاف راضي، ومحمد عبده، وماجدة الرومي، وجوليا بطرس وغيرهم أغنيات لا تزال تُبث حتى اليوم في بعض المناسبات.


ومع تطور الموسيقى واللحن، أصبحت الأغنية الوطنية تتداول بشكل سريع. ومن الفنانين الذين أصدورا أغنيات وطنية كاظم الساهر الذي أبدع في غنائه لمدينته التي لم يكن بمقدوره الذهاب إليها، فكان إحساسه مليئاً باللوعة لوطنه الجريح فأصدر "بغداد... لا تتألمي" التي حظيت حينها بنجاح كبير. وهناك أغنيات كثيرة وعديدة صدرت مؤخراً. وتستعد نجوى كرم لطرح "صك الملكية" التي تتناول الوطن، هي التي كانت مسيرتها مليئة بالأغنيات الوطنية اللبنانية. كذلك أصدرت أغنية "بشار القائد" التي أهدتها لسوريا على خلفية الأحداث التي تجري فيها حالياً. كما صرحت "شمس الأغنية" مؤخراً بأنّ ثورة "25 يناير" حفزتها للغناء للمصريين. واتفقت مع الشاعر اللبناني نزار فرنسيس لتقدم أغنية باللهجة اللبنانية بسبب إصرارها على التشبث بلهجتها وعدم الغناء باللهجة المصرية حتى عندما سمحت لها الفرصة للمصالحة مع جمهورها المصري بالغناء لمصر.


وتقول الأغنية "لأنك أم الدني، وبالكرامة مزينة، أنتِ غير، وشعبكِ غير، وكل ما رف جناح الطير، تبقى بخير الدني، لأنك أم الدني، وبالكرامة مزينة..."


ومن بين المطربات اللواتي قدمن أغنيات وطنية على خلفية الأحداث الأخيرة التي تشهدها الدول العربية كارول سماحة التي غنت لشباب الثورة المصرية "مصري يا بو دم حامي". كذلك، قدّمت نانسي عجرم أغنية "وحشاني يا مصر". كما صدرت أغنيات "ابن مصر" لـ إيهاب توفيق، و"إزاي" لمحمد منير. كما أنّ شيرين ومي سليم وتامر حسني وغيرهم قدموا أغنيات وطنية بعد ثورة مصر.


وكان بعض المتابعين اتّهم مؤخراً الفنانين بأنّهم يستغلون هذا الانتصار من أجل تواجدهم على الساحة، واستدرار عطف الجمهور خصوصاً المصري. وكان الاتهام الأكبر للمطربة التونسية لطيفة التي تستعدّ حالياً لأغنية وطنية خاصة بثورة مصر. في حين أنّها لم تأبه لثورة "الياسمين". وهذا ما دفع كثيرين إلى اتهامها بـ"تبييض وجه" أمام المصريين لتتواجد على الساحة الفنية، خصوصاً أنّ الثورة المصرية قد ساهمت في تراجع شعبية بعض الفنانين الذين أطلقوا تصريحات ضدّ الشباب ومنهم تامر حسني الذي لا يزال يعاني كثيراً لكسب قلب جمهوره مجدداً.


ومن بين الفنانين الذين أصدروا أغنيات وطنية ركزت على سوريا ودعوا فيها إلى اللحمة الوطنية ودرء الفتنة الطائفية جورج وسوف الذي غنى "يا وطني"، وفارس كرم الذي أصدر أغنية "نحنا بو باسل علمنا ما نبايع إلا بالدم"
وأيمن زبيب، ونورا رحال، وعلي الديك، وهويدا، ومي حريري...


في المقابل، قام أيضاً بعض الفنانين بتنظيم "أوبريت وطني" يضم مجموعة من الفنانين العرب مثل "أوبريت الحلم العربي" و"أوبريت الضمير العربي" الذي جمع فيه المنتج أحمد العريان أكثر من مئة مطرب ومطربة. كذلك ينظم مهرجان الجنادرية السعودي "أوبريت" سنوياً حيث تقوم بالغناء مجموعة من الفنانين الخليجيين.


ويبقى أن نشير إلى سؤال هام هو: هل يقدّم الفنانون العرب الأغنيات الوطنية من أجل إيصال رسالة إنسانية أم يجدونها فرصةً ليتواجدوا أكثر على الساحة وفي قلوب الجماهير؟