عادل إمام... كثير من الثرثرة وقليل من الإبداع

طارق الشناوي  |   21 أغسطس 2012
أكثر مسلسل رمضاني حظي بإقبال المشاهد العربي هو "فرقة ناجي عطالله"، وأكثر مسلسل رمضاني ناله قسط وافر من سخط المشاهد العربي هو أيضاً "فرقة ناجي عطالله"! لا يمكن لأحد أن يتجاهل ما يتمتع به عادل إمام من قدرة على الجذب الجماهيري على امتداد الوطن العربي. وقديماً، كانوا يقولون على سبيل التهكم: لو قالت أم كلثوم "ريان يا فجل"، سوف تردد الجماهير وراءها هذا النداء. ويبدو أنّ مسلسل "ناجي عطالله" تنطبق عليه حكاية الفجل هذه. المسلسل الذي أنهى حلقته الأخيرة في الصومال بعدما تبرّع "ناجي" بكل الأموال التي سرقها من بنك في تل أبيب إلى دولة الصومال كي تواجه مشاكلها في توفير الحد الأدنى من شروط الحياة، يبدو كأنه اتخذ حلاً سياسياً. هو لا يريد درامياً أن يلوّث النضال العربي بأموال إسرائيلية مسروقة ولو كانت على سبيل الانتقام من إسرائيل. كنّا في صدد معادلة إنتاجية غير مسبوقة وغير قابلة أيضاً للتكرار. لن يحصل أي نجم على أجر 35 مليون جنيه (قرابة 6 مليون دولار) مقابل بطولة مسلسل درامي، وهو ما يصل مثلاً إلى ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه نجم بحجم يحيى الفخراني مقابل بطولته لمسلسل "الخواجة عبد القادر". ولو عاود عادل التجربة خلال العام القادم، فلن يحصل أيضاً على هذا الأجر. إنّها صفقة مادية حيث دخل المعادلة عاملان مؤثران وهما اسم عادل إمام وقدرته على التسويق. العامل الثاني الحاسم هو غياب عادل الذي طال30 عاماً. سنوات البعد التي قاربت ثلاثة عقود، أدّت إلى أن يفرض إمام كل شروطه المادية والأدبية على الجميع. اعتبرها عادل صفقة عائلية، فاشترط أن يخرج ابنه رامي المسلسل ويشاركه محمد البطولة. المسلسل كان يمشي سياسياً على صفيح ساخن. لقد كان مقدّراً عرضه في رمضان الماضي. لكن أمام حالة الرفض الشعبي التي واجهها عادل في أعقاب "ثورة 25 يناير"، ارتأت شركة الإنتاج تأجيل العرض لمدة عام حتى تهدأ مشاعر الغضب. كان السبب المعلن للتأجيل أنّ المسلسل لم يكن جاهزاً للعرض. المؤكد أنّ المسلسل وصل إلى نبرة انتقاد عالية ضد إسرائيل لم يكن منتظراً استخدامها قبل "ثورة 25 يناير"، فالمعروف أنّ عادل يحرص على أن يكون مؤشر توجّهه السياسي هو بالضبط توجه النظام الحاكم. وهو ما يمكن أن تراه في فيلم "السفارة في العمارة" الذي عرضه قبل سبع سنوات وكان يتناول علاقة المصريين بالتطبيع مع إسرائيل. هذه المرة، كانت السفارة مصرية وفي تل أبيب. ورغم ذلك، اقترب عادل من الحس الجماهيري الشعبي الرافض لإسرائيل في حين أنه في "السفارة في العمارة" كان يحرص على تبني وجهة نظر الدولة رسمياً في علاقة مصر مع إسرائيل. ورغم ذلك، فإن كل بلد عربي شهد جزءاً من الأحداث، أثار غضب قطاع من هذا البلد. هذا ما حدث في غزة حيث قالوا "هذه ليست غزة" وتساءلوا لماذا انحاز أكثر إلى منظمة "فتح" على حساب "حماس". وعندما ذهب إلى سوريا، قالوا: لماذا عندما حُرق الفندق الذي أقامت فيه فرقته في دمشق، لم تُحرق صورة "بشار الأسد"؟ وعندما ذهب إلى العراق وقدم أنماطاً مختلفة من العراقيين بين شريف ووطني أو مستغل ومتآمر، قالوا لماذا يسخر من العراقيين رغم أنّه عندما تناول شخصية لص في مقهى عراقي، قدمه باعتباره مصرياً يعمل في العراق، فغضب بعض المصريين. لقد تعودنا كعرب أن نبحث عن جنسية الشخصية درامياً وليس عن المعنى الفكري أو السياسي. مثلاً في رمضان 2011، قدم مسلسل "العار" شخصية فتاة مغربية تمارس الدعارة في القاهرة. ثارت عشرات الجمعيات والمنظمات الخاصة بحقوق المرأة في المغرب وقرّرت مقاضاة المسلسل الذي اعتُبر مسيئاً لشخصية المرأة المغربية. أما في حالة "ناجي عطالله"، فقد ارتفعت أكثر معدلات الغضب لأنّ أحداثه تجري في أكثر من بلد. رغم أنه أثار غضب بعض العرب سياسياً، ربما كان الملمح الإيجابي في المسلسل أنّه أثار غضب إسرائيل واعتُبر في الصحافة والإعلام الإسرائيليين مسلسلاً يحض على مناهضة إسرائيل. كان عادل حريصاً على أن يبتعد زمنياً عن الثورة المصرية حتى لا يتورط في الإدلاء برأي. وهكذا شاهدنا في المسلسل صورة حسني مبارك في المكاتب التابعة للسفارة المصرية في تل أبيب كما يقضي البرتوكول. لكن على الجانب الآخر، تعمّد المخرج ألا تُحمل هذه المواقف الدرامية بأي آراء سياسية. ويبدو أنّ عادل كان حريصاً على ألا يتورط في رأي قد يُغضب البعض فقرر ألا يقول رأياً. اختار عادل إمام بعودته إلى الشاشة الصغيرة أن يقدم قضية سياسية في قالب بوليسي، فكانت تلك الفرقة التي مارست الكثير من الثرثرة الدرامية والفكرية والسياسية والقليل من الإبداع والإمتاع!