طارق الشناوي:نانسي إليسا وشيرين بعيداً عن "قرطاج"؟

طارق الشناوي  |   15 فبراير 2012

لو لم يكن التسجيل موثّقاً، لما أمكن تصديق ذلك. وزير الثقافة التونسي يقول: "على جثتي أن يأتي إلى "مهرجان قرطاج" الغنائي كل من  نانسي عجرم، وإليسا، وشيرين، وتامر حسني". لكنّه ترك الباب موارباً في وجه  لطيفة. إذ قال: "سوف نناقش الموضوع".

الوزير التونسي مهدي مبروك يقول إنّه يتبع مبدأ ديكتاتورية حماية الذوق ويعتبر نفسه مدافعاً شرساً عن أذواق الملايين، وقد اختار مطربين يحقّقون أعلى الإيرادات حالياً ليقول لهم: "على جثتي". لا أدري ما هو سبب منع نانسي مثلاً من العبور إلى الأراضي التونسية؟ هل صارت نانسي وأخواتها أشد خطراً على الشقيقة تونس من إسرائيل؟

الإنسان يضحّي بنفسه في سبيل الدفاع عن الوطن ضد الأعداء، لكن أن يُعتبر حضور مطرب أو منعه قضية قومية، فهذا ما يحتاج إلى نقاش: كيف وصلت بنا الحال إلى كلّ هذا التطرف في فرض الذوق الواحد على الناس؟

أنا شخصياً، لديّ ملاحظات على بعض أغنيات هؤلاء وغيرهم. لكنّ هذا الأمر يعبّر فقط عن ذوقي وقناعتي، ولا يجوز تعميمه أو اعتبار أنّه على الجميع الخضوع لرؤيتي. لا يمكن أن أطالب الدولة مثلاً بمنع مطرب عربي لا يعجبني صوته أو أغنياته أو ملابسه من دخول البلاد، أو أطلب من أجهزة الإعلام تجاهل مطربة مصرية لأنها لا تتوافق مع قناعاتي الفنية أو الشخصية!

طبعاً، يعتقد الوزير التونسي أنّه يستند إلى مرجعية دينية مطلقة تتيح له أن يرفض أو يوافق كما يحلو له، وأنّ المجتمع سيؤازر هذا الاختيار.

هل ما تقدمه نانسي أو إليسا يُعد في عرف القانون خادشاً للحياء؟ وهل شيرين مطربة إثارة؟ لاحظ أنّه لا يتحدث عن شاكيرا بل عن شيرين!

الحقيقة أنّنا نعيش كمجتمع عربي في ظل تنامي تيار ديني بات يملك قوة دستورية وقاعدة نيابية حصل عليها عن طريق التصويت الشرعي، ولا نغفل أيضاً أنّ التهميش الدائم لهذه التيارات في مصر وتونس لعب دوره في تطلّعها إلى التواجد عبر القنوات الشرعية. لكن على هذا التيّار ألا يمارس ما كانت تفعله الأنظمة السابقة ضده عندما كانت تلجأ إلى فكرة الاستبعاد. كانت الأنظمة العربية عنيفة ضد هذا التيار في مصر. 

وجاءت الثورة فصار كل شيء ملك أفراده. شرعوا في إنتاج أفلام ومسلسلات وبرامج، ولديهم قنوات فضائية خاصة، وما حدث في مصر تكرّر في تونس. حتى في المملكة المغربية التي لم تشهد ثورة، باتت الغلبة فيها أيضاً لهذا التيار. أما آخر مسابقة لملكة الجمال المغرب فكانت أشبه بتنافس على الفتاة الأذكى والأكثر إجادةً للغات، فيما صار الجمال في آخر سلّم الأولويات على عكس ما كان يحصل الماضي!

أن يبدأ تيار بممارسة حقه في الحكم، فهذا بديهي. لكن الحكم شيء مختلف عن التحكّم. ما نراه من استخدام تعبير "على جثتي" و "ديكتاتورية الحفاظ على الذوق" وغيرهما من الكلمات، يخصم الكثير من مصداقية هذا التيار في الشارع العربي، وليس فقط التونسي الذي ارتبط بثورة الياسمين المعبّرة عن إرادة شعبية.

علينا أن نتذكّر أنّه كان على رأس أهداف ثورات الربيع العربي القضاء على الفساد، وليس القضاء على نانسي وإليسا وشيرين وتامر!