أحلام مستغانمي: قلّة من يدرون.. بأنّ رمضان هو العيد!

كلّ المواعيد قدرها أن تنتهي، وحينها تصبح ذكريات، إلاّ رمضان فحين يرحل يغدو ماضيه.. حسنات. كل المواعيد قدرها الألم والندم، لأنها لا تدوم وتمر على عجل. لا نعي ونحن نغرف من مباهجها أنها تحمل في سعادتها ألمنا المستقبليّ، إلاّ رمضان، كلّما تزوّدنا منه رافقتنا بركاته لباقي العمر. كل المواعيد تحدّدها ساعة في معصمنا، إلاّ موعدنا مع رمضان، لا ننظر فيه لساعتنا بل نرفع أعيننا إلى السماء، لنعرف متى يهلّ هلاله، ومتى يرفع أذانه، ومتى يؤذن لنا بالإفطار والإمساك، ومتى تثبت رؤية هلال عيده. وفي ذلك رفعة لوجداننا، وتقرّب من الله في علياء عرشه، حيث على مدى ثلاثين يوماً يكرّمنا بفتح أبواب السماء.. لكل من رفع إليه النظر.. أو رفع إليه يدياه بالدعاء. لكلّ موعد وقت بمقياس أرضيّ، اتفق البشر على تقويمه الزمنيّ، وحده رمضان زمن سرمديّ، يتجاوز قدرتنا على العدّ، فكيف نقيسه وفيه ليلة بألف شهر؟! * * * نتستّر على مواعيدنا العاطفية، خشية أن يرانا الناس. لا نتنبّه والناس يقصدون المساجد عند رفع الأذان، بأن الحب العظيم لا يضرب موعداً في السر. فالله يباهي بمن يحبه، ويناديه عبر المآذن ليذكّره بموعده، ويستقبله في بيته أمام الملأ، ويُشهد الملائكة على كلّ خطوة خطاها نحوه.. وهو في كلّ هذا يدلنا كيف تكون المحبة. * * * من مصلّى النساء، في الطابق العلويّ، في المسجد الصغير الذي أصلي فيه في أبوظبي، أسعد وأنا ألمح من الفتحات الخشبية، المصلين وهم يتوافدون في رمضان للصلاة فرادى، ثمّ أفواجاً، حتى يفيض بهم المسجد، رجالاً من كل الأعراق ومن كل الطبقات، بأزيائهم المختلفة يقفون صفاً واحداً. يبهرني منظر الغرباء البسطاء، عاملي النظافة والبناء الذين تركوا عدة شغلهم في الخارج وجاؤوا لمناجاة الله، ويبدون جميلين في وقفتهم تلك، لكأنهم قصدوا المساجد ليأخذوا زينتهم عندها ويعودوا لأشغالهم ، بينما ينشغل جُلنا عن صلاته بما تزيّنه له الدنيا من مكاسب، ثمّ يعجب أن يملك الضوء ولا يملك ما يرى على وجوه البسطاء الأتقياء من نور. ذلك أن النور والضوء لا يجتمعان! * * * لكلٍّ رمضانه. ثمّة من ينتظر على لهفة قدومه، وآخر يعدّ الأيام استعجالاً لرحيله. من يعيشه كما لو أنه آخر رمضان قد يصومه، وآخر يسافر هرباً من «جحيمه». هناك من ينتظره لمزيد من النوم والتكاسل.. ومن يراه ذريعة للعصبية والتشاجر. من يريده شهراً للتعبّد والتضرّع.. وآخر يراه موسماً للتسوّق والتبضّع. واحد يحلو له فيه السمر، وآخر يقيس كل ليلة فيه بألف شهر. كثيرون يقضونه في الأسواق استعداداً للعيد.. وقلّة من يدرون بأن رمضان هو العيد!

زهرة الخليج

13 يونيو 2018

في بيروت متطوعون يقدمون وجبات ثمنها شكراً