التنمُّر الإلكتروني

قوّة التعبير الهائلة التي وفّرتها ثورة التكنولوجيا والمعلومات في السنوات الأخيرة، لم تستقر حتى الآن على تقاليد تحمي خصوصيات الأفراد وتفاصيل حياتهم الشخصية، على الرغم من حزمة القوانين التي تَبنّتها معظم الدول في العالم لمكافحة الجرائم الإلكترونية، والحفاظ على الأمن الاجتماعي من الاختراقات المختلفة والتنمّر على الأشخاص، ويستوي في ذلك المشاهير والشخصيات العامة مع المستخدمين الآخرين لمنصّات التواصل الاجتماعي.
أصبح سهلاً أن يكتب أي عابر لبوابات التعبير الجديدة تدوينة أو تغريدة، أو يلتقط صورة وينشرها تنال من الحياة الشخصية لأشخاص، وارتفع منسوب الحذر من انتهاك الخصوصية من قِبَل فُضوليّين أو مُتنمّرين، فالناس يريدون أن يَنعَموا بمزايا التكنولوجيا، وآخر ما يُريدونه أن تنعكس سُوءاً على حياتهم.
يُمكن ضبط التنمّر الإلكتروني بتعزيز القيَم والتكيُّف مع متطلبات الحداثة، والتوجّه نحو خطط وبرامج، وتقديم نماذج مؤثرة للمشاركة الإيجابية في منصّات التعبير، ثم يبقَى على التشريعات أن تواجه ذلك في سياق جرائم الاعتداء على الحياة الشخصية للناس.
فمثلاً، وفِي الإعلام التقليدي المنضبط بقواعد مِهَنيّة، لا تسمح الصحف ومحطات التلفزيون بنشر أو إذاعة اقتباسات أو صور لأشخاص، دون إذن مُسبق، وتُلزم قوانين المطبوعات الوسائل الإعلامية بحق التصويب والاعتذار لمن نالته أيّ إساءة، وهو ما يبدو صعباً في «التواصل الاجتماعي»، فمن السهولة فتح حسابات مُزيّفة بأسماء مستعارة، واستخدامها في التنمّر على المجتمعات، إمّا بالإساءة الشخصية، أو بإثارة نَزْعات كراهية، وافتعال أزمات مختلفة.
التنمّر يُصبح أكثر سوءاً حين يُعاد نشر كثير من الافتراءات والإساءات على أنها حقائق مؤكَّدة، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى اتّساع نطاق التنمّر وتَحوّله إلى كرة ثلج، عندما يتعامل المستخدمون مع الشائعات أو استباحة حياة الناس الغافلين على أنها من حقهم، فيضعونها في عنوان، أو «هاشتاغ»، وتصبح مسؤولية المتضررين النّفي أو الدفاع أوالتبرير، أو اللجوء إلى القضاء، بعدما نالهُم ما نالهم مِن أذى.

بشاير المطيري

9 أغسطس 2018

إديث بياف.. أرملة الرماد