«السمكة الصغيرة»

بشاير المطيري   |   6 سبتمبر 2018

هل يرث الإنسان القسوة مثل الصفات الوراثية الطبيعية الأخرى. وهل يجدر بنا الحكم على سيرة حياة الأشخاص لمجرد أننا نعرف جوانب من تاريخهم العائلي، خصوصاً إذا كانوا عباقرة أو أدباء أوفنانين؟
القسوة والتفاصيل الشخصية يلخصهما موقف ليزا ستيف جوبز من أبيها، أحد أبرز ظواهر الابتكار المعرفي والتكنولوجي منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، فالمرأة الأربعينية المولودة بعد عامين من تأسيس والدها شركة «أبل» العملاقة للحواسيب والبرمجيات والهواتف والألواح الذكية في 1976، قررت أن تروي سيرة أخرى لأبيها، بعيداً عن شهرته وعبقريته الفذة.
ليزا جوبز كتبت شهادتها الشخصية في كتاب «السمكة الصغيرة» الذي صدر قبل أيام. وأثارت التسريبات عنه مزيداً من الجدل الإعلامي، وكذلك الغضب والنقمة عليها، فقد سردت قصصاً عن علاقتها بوالدها تكشف مدى قسوته معها، منذ رفضه الاعتراف بها عند ولادتها، ثم إقراره لاحقاً، بعد إجراء فحص الحمض النووي لإثبات النسب.
قصص كثيرة تسربت عن الكتاب، منها أنها شعرت بخداع الأب لها، فكمبيوتر «ليزا» الذي أطلقته «أبل» عام 1983، يمثل اختصاراً لجملة تسويقية، ولا يعني اسمها بالضرورة، بحسب قولها، وأيضاً رفض ستيف جوبز توريثها من ثروته الضخمة.
ربما يكمن الاحتجاج على «الكتاب» في تقدير الناس للعباقرة الذين قدموا للبشرية خدمات عظيمة، وجوبز أحدهم، وربما لإحساس كثيرين أن ليزا تريد أن تقول إن والدها انتقم منها، نتيجة عقدة شخصية ورثها من طفولته، فكما هو معروف، فإن والده المهاجر السوري عبد الفتاح الجندلي أنكر أبوته، ولَم يكن في حياته سوى والد بيولوجي، لم يتمكن من لقاء ابنه مرة واحدة.
السؤال عن جدوى فضح الحياة الشخصية لستيف جوبز بعد سبع سنوات من رحيله، وهو سؤال قاس بالنسبة إلينا نحن الذين ننعم في كل لحظة بالفتوحات المعرفية الكبرى التي أنجزها جوبز في العالم التقني، وانعكاساتها على تسهيل شؤون حياتنا، وجعلها أكثر إبداعاً وجمالاً.
كانت علاقة فتاة بأبيها، وهناك قصص تحدث عنها جوبز، ولَم تنكرها ليزا عن مراحل لم يكن فيها ستيف ذلك الأب القاسي، كما وصفه كتاب «السمكة الصغيرة» الذي ربما سعى إلى تحطيم الرمز والأسطورة في شخصية جوبز، حينما تقول ليزا إن «النجاح حوله إلى شيطان».
نحن الذين نستخدم حواسيب «أبل» وهواتفها وألواحها المدهشة يحق لنا اعتبار كتاب ليزا شؤوناً عائلية، لا تهدم قيمة، ولا اسماً، ولا إنجازاً. وفي حين لا ننكر عليها حقها في تأريخ فصل شخصي في حياة جوبز، إلا أننا قد نتساءل عن الجانب الربحي من نشر الكتاب، وعن فكرة الانتقام بحد ذاتها، إذا كان كل ما ترويه الابنة دقيقاً، أو غير منتزع من سياقه.

ضوء

كان اسمه ستيف جوبز، وليس ستيف عبد الفتاح الجندلي، وقد حطّم كثيراً من الصخور، قبل أن يحفر اسمه بين الأساطير. أما هي فلم تخسر إرثه، وستعيش باسمه ليزا ستيف جوبز، وذلك أهم من عثرات وأخطاء نرتكبها جميعاً!