رسائل الحياة

د. عائشة بنت بطي بن بشر  |   1 أكتوبر 2018

كم عدد المرّات التي نزيل فيها نظارتنا الشمسية أو نفتح نافذتنا التي عكّرها الغبار لنرى شيئاً بصورته الطبيعية وألوانه الحقيقية؟ أحياناً نفعل وغالباً ما نتغاضى لأن مشاغل الحياة ببعديها الشخصي والمهني أخذتنا لدرجة أن حياة كثيرين أصبحت كمن علِق للأبد على مسار كهربائي لا يسمح لمن عليه أن يتوقف ويلتقط أنفاسه أو ينصت لمحيطه، ويصبح كل ما نسمعه هو ضجيج تفاصيل كثيرة في أيامنا لم نعد نفكر هل هي مهمة أو لا.
استوقفني مؤخراً مقطعٌ لطفل يضحك من قلبه لدرجة القهقهة وصلني على الواتساب، فبدر في خاطري سؤال عفوي يتكرر، ما الذي يجعل الأطفال بهذه السعادة رغم بساطة فهمهم للحياة ورغم اختلاف القدرات المادية لأسرهم وما يملكونه؟ وخرجت بإجابتي الخاصة وهي أنهم لا زالوا يتقنون لغة الحياة وينصتون لرسائل الحياة بعفوية، ويذهبون بحثاً عن ابتسامة أو مغامرة طفولية خارج الوقت الذي يعلمونهم فيه الكبار الانضباط واتباع التعليمات، فهم لم يعلقوا على المسار الكهربائي مثلنا كما يبدو!
فما المطلوب لنستعيد قدرتنا على فهم رسائل الحياة وننقذ ما تبقى فينا من الطفولة؟ بالتأكيد ليس التوقف عن العمل بجد ولا إهمال مسؤوليات الحياة، ولكن إعادة النظر في كل ما تزدحم به أيامنا فهل كل ما نعمله ونحرص عليه مهم؟ وهل هناك أمور يمكن التوقّف عنها لتصبح أيامنا أقل ازدحاماً؟ الأسئلة كثيرة ولكن كلها تلتقي بأن هناك ما يشبه عتمة النظارة الشمسية أو الغبار على النافذة. فإن أردنا أن نستعيد حياتنا فالبداية هي وضع قائمة بما يستحوذ على تفكيرنا والتفاصيل التي تستهلك أيامنا وأرواحنا، قد تكون عادات يومية، أو أشخاصاً وعلاقات تطغى علينا، لذا فلنسرع لاستخدام القلم بوضع خطّ يلغي ما لا يهم منها بلا رجعة.
أعلم أن الموضوع ليس بهذه البساطة، ولكنني تأكدت أن صعوبته تكمن في رغبتنا الحقيقية بالتغيير في حياتنا اليومية، ويجب أن نتصالح مع أنفسنا ونقبل حقيقة أنه يمكننا أن نبدأ ونتوقف ونعيد الكرّة، وقد تكون البداية بهذه القائمة ذات السطور الملغاة لنذكر بها أنفسنا كل صباح. رسائل الحياة لا تحتاج لدورات أو شهادات بل تحتاج منّا أن نقرر الإنصات لها والاستمتاع بتفاصيل الحياة التي اعتدنا أن نمر عنها كل صباح غير مكترثين بحجة الانشغال.
هي أفكار تطرق بابنا كل يوم ولكن قليلاً ما نسمع طرقاتها، ولكنني قررت أن أبدأ بنفسي ووضعت قائمتي، وسألغي ما التَهَم جزءاً من لحظاتي لأترك هذه المساحات للحياة واستعادة مهارة لغتها فهل ستُعِدّون قائمتكم؟ قد تكون البداية في الطريق الذي تسلكونه في طريقكم للعمل يومياً وبدء التأمّل بمحيطه وكم أعطانا الله من نعم هي أحلام لغيرنا. وأتمنى لكم حظّاً طيباً بأحاديث ممتعة مع حياتكم.