أنا خصيمك يوم القيامة!

سعود السنعوسي  |   23 أكتوبر 2018

استفزه حديثي عن الحريات وانتقادي تسلط الجهاز الرقابي على الكتب، فقرر أن يلجأ لإدانتي بأسهل الطرق وأكثرها كسلاً واتكالية، راح يبحث عن كتاباتي عبر محركات البحث عوضاً عن مناقشتي في ما ذهبت إليه، وجد ضالته وقرر أنني أمتهن شعيرة من شعائر الإسلام الذي هو دين الله، ومساواته بالنصرانية والوثنية، على حد تعبيره، وراح يؤلب الآخرين ويستنهض غيرتهم على دينهم.
لست فقيهاً، وليس من طبيعتي الخوض في شؤون الدين التي لا أعرف منها إلا جوهراً يعينني على العيش بسلام، أمارس فيه حقوقي وأؤدي واجباتي دونما تدخل في شؤون الآخر. ولكن الشاب المتدين الغيور، شأنه شأن كل المتحمسين مثله، لم يكلف نفسه أن يقرأ ما أكتب وفق سياق موضوعي، وهو غير مطالب بقراءتي ما لم يكن في نيته الانتقاد والمساءلة والحشد، أما أن يتسلح بكلماتي لإدانتي من دون قراءة!
«في أذني اليمنى صوت الآذان يرتفع، وفي أذني اليسرى قرع أجراس الكنيسة، وفي أنفي رائحة بخور المعابد البوذية تستقر، فالتفتّ إلى نبضات قلبي المطمئنة، فعرفت أن الله هنا».
أخي الكريم، إذا استفزتك هذه العبارة ابحث عن سياقها في الرواية رضي الله عنك وأرضاك، فأنت لا تختلف عن موظف الجهاز الرقابي محدود الفهم. إن العبارة التي آلمتك بسيطة لم تنتقص من شأن أحد حتى بانتزاعها من سياقها، إلا من كان هشاً في داخله لا يحتمل الإنصات إلى غير صوته. ولكن، دعني أكتب لك وفق ما تفهم، علّك تفهم، ليس دفاعاً عما كتبت إنما إكراماً لعقلك، هذه العبارة التي أؤمن بها وردت على لسان بطل رواية شاب وُلد لأب مسلم وأم مسيحية، نصرانية وفق فهمك، لم يحظ بوالدين يعلمانه أصول الدين ومهاجمة الآخرين واتهامهم بالباطل مثلك، أهمل والداه بعد انفصالهما تربية الفتى دينياً، حيث عاش في بلاد أمه وتلقفه الشارع، وفي أواخر سني مراهقته، وفي بيئته المنفتحة على الآخر، حيث المسجد والكنيسة والمعبد، راح الشاب يتلمس طريقه إلى الله، يتفكر بنزعة فردية لا وراثية كما هي الحال معك، اجتهد وارتاد الشاب متشظي الهوية دور العبادة في بلاد أمه على اختلافها، وقبل إدراكه الدين، أدرك أن الله موجود في قلبه.
جاء الشاب إلى بلاد أبيه يتلمس طريقاً يقربه إلى أهله، ولكنه تعثر، ولم يطب له البقاء في بيئة متناقضة الفكر والسلوك. لم يأخذ معه شيئاً إلى ديار أمه بعد خيبته إلا سجادة صلاة ونسخة من القرآن وسي دي لفيلم «الرسالة» المحرّم وفق إيمانك، ذلك الفيلم الذي أنصف دينك، وقُتل مخرجه ومنتجه في تفجير إرهابي على يد من أساء لدينه.
حشدت الناس ضدي، واتهمتني وتقولت عليّ زوراً في أوقات فراغك الكثيرة التي تقضيها على مواقع التواصل تمارس فراغك وكسلك، عوضاً عن أن تقرأ وتثقف نفسك دينياً وأدبياً. فأنا، يا أخي الكريم، أكتب عن صنوف البشر في رواياتي، أكتب عن الأخيار، وعن المجرمين والمنافقين والمتاجرين بالدين الذين يتهمون الناس بالباطل، بصفتهم نماذج تعيش بيننا وتعكر علينا صفو العيش، وليس بالضرورة أن توافق أقوالهم قناعاتي، إنما هي محاولة لفهم الآخر المختلف، الخيّر والشرير وسويّ النفس ومريضها والمؤمن والباحث عن الدين والكافر؛ لكي ننهل من ثراء الاختلاف لنعرف موضعنا في هذا العالم، ولندرك أننا لسنا محور الكون وفق ما لقِّنا.
فكفاك إساءة لنفسك ولدينك والآخرين، ودعني أختم حديثي وفق ما أحسبك تفهمه:
لقد اتهمتني في ما ليس فيّ، وأنا خصيمك يوم القيامة!