الطعام الفاسد.. النص الفاسد

د. عبدالله الغذامي

  |   8 نوفمبر 2018

هناك تماثل تام بين الطعام واللغة، واحد يغذي الجسد والآخر يغذي الذهن، وكما يَصح ويَمرض الجسد، فإن الذهن يَمرض ويَصح أيضاً، والمعدة بيت الداء وبيت العافية، وكذا الذهن هو بيت للداء وللعافية، ونحن نقع في مغبات الطعام الفاسد بسبب حبنا للطعام الحلو وحبنا للدهون.
وفي النصوص نحن نستهلك سمومنا الذهنية عبر حلو المجاز وخلابة التعبير، ولنأخذ مثلاً سريعاً في بيت المتنبي:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص .. فهي الشهادة لي بأني كامل
وهو بيت صرنا نستهلكه بإفراط مع كل تماس في علاقاتنا الاجتماعية، بوصف البيت سنداً سريعاً ضد خصومات الثقافة والرأي.
وأولى حيل هذا البيت معنا أنه يسير على كل الألسنة، والكل يقوله عن الكل، مما يجعل الكل ناقصين وكاملين في آن، وإذا قلته لغيرك فغيرك يقوله عنك، بمثل ما إنه يعتمد القطع بأن مردد البيت يرى نفسه كاملاً وخصمه ناقصاً.
وهكذا في مجريات توهّم ثقافي لا يمكن اعتماده منطقياً. ولكن الثقافة النسقية تحتال لهذا البيت تحت وهمية المجاز، مع أننا لن نعجز أن ندرك أن البيت تقريري بلغة تقريرية مكشوفة، ولا مجازية فيه.
ثم إن النسق أصلاً يحتال عبر دعوى المجاز، فيما لو كان هذا البيت مجازياً، بمثل ما إن الكوليسترول يحتال عبر الطعام اللذيذ، والنسق يحتال عبر المجاز اللذيذ.
وفي الحالين، فإن الثقافة بوصفها نموذجاً ذهنياً للجسد تَمرض كما يَمرض الجسد، والنص الفاسد مثل الطعام الفاسد يسمم الجسد، بمعنيَيه العضوي والذهني.

هل نكره الفرح؟