الفتى الذي يكتبُ اللا شيء 2..2

سعود السنعوسي  |   15 نوفمبر 2018

أصابت كتابته قدراً من نجاح مع مرور السنوات، مما دفعه للخروج من عزلته بصورة لا تشبه حياةً يعرفها مُذ كان ذلك الطفل المنزوي في غرفته يكتب عن الأشياء المهمة في يومياته، ويدون تفاصيل الأيام التي يحدث فيها «لا شيء». هو اليوم روائي، أو هكذا ينعته البعض، سألته صحافية ذات يوم عن جدوى الكتابة. أجفل. هو يمقت هذا السؤال الذي يواجهه أمام نفسه. تردَّد قبل أن يجيب: «لا أدري!». حدَّقت فيه تظن أنها بسَّطت السؤال: «لماذا تكتب؟».
اللعنة! هو يكتب لأنه.. لا يدري، لكنه راح يُجيب كُلَّ صحافي أو صحافية إجابةً مُغايرة؛ هو «يكتب» لأنه لا يستطيع أن «يقول»، ربما. هو يكتب لأن القول يُنسى في حين أن الوشم على الأوراق.. لا. هو يكتب لأنه يريد أن يغيِّر العالم، ربما. هو يكتب لأنه يلبس أشخاصاً آخرين، يطلق صوتَه من حناجرهم صارخاً بما لا يستطيع قوله أو لا يستطيعون. هو يكتب.. يقتل أشخاصاً على الورق، يعيد الحياة لمن فارقوها، يغير مصائر الناس، يسترد حقوقه المسلوبة، ينتصر للبعض ويهزم البعض الآخر. هو يكتب لأنه يحقق ذاته بتماهيه مع الآخر. هو يكتبُ ليورِّط قارئاً محتمَلاً بأسئلة تؤرِّقه، هو يكتب لأن العالم الورقي أرحب من عالم الواقع، هو يكتبُ لأنه من خلال شخصياتِه يخبر الحياة أكثر، ولأن بالكتابة تتسع الحياة أكثر، هو يكتب لأن لا حدود للكلمة، ولأنه بالكلمات يتجاوز أسوار المنطق؛ يُثبت أن كُلَّ ما في هذا العالم زيفٌ إلا ما همست به جدَّتُه قُبيلَ نومِه طفلاً، فبالكلمات يستنطق الزَّواحف ويمنح الأشجار قُدرةً على المشي، ويُقيم حفلات زفاف يتزوج فيها الإنس من الجنيَّات. هو يكتب لأن في البدء كانت الكلمة، ولأنه في طفولتِه سافر عبرَ الكلمة آلاف السَّنوات، غابَ مع يونس في بطن الحوت، وعَبَر البحر مع قوم موسى، وركب الفُلك مع نوح. زار آلهة الأوليمب، نقشَ الحرفَ في ألواح بابل، وأمضى ألف ليلة وليلة يُنصِت إلى شهرزاد.
هو يخطُّ الكلمات في هذه السطور الآن..
هو يكتب.. يكتب.. ويكذب..
هو يكتب لأنه.. لأنه لا يدري.. هو يكتب ويقرأ لأنه يُحب الكلمة مِن دون أن يُفكِّر في دوافع هذه المحبَّة. هو يبرِّر أسباب الكتابة للآخرين ويخفق في إقناع نفسه بما يقول. أراد أن يُلبس الكتابة ثوباً نبيلاً ولكنها ليست بالضرورة كما يظن، أو كما يريد. في كُلِّ مرَّة يجيبُ فيها إجابة مُختلفة حول علاقتِه بالكلمة ولماذا يكتب. يُجيب إجاباتٍ ينساها سريعاً، ولا ينسى أبداً أن الكلمة حياة، وأنه بواسطة الكلمة مكتوبةً بوسعه أن يخاطب الأحياء إذا ما جاء أجله ولفَّه النسيان. يُخاطبهم بعد سنة، اثنتين، أو ربما قرون.
قبل أسابيع كان على متن طائرة، مزاجها سيئ. مجنونة. ما انفكَّت تهتزُّ تصيبُ ركَّابها بالذُّعر. كان متماسكاً إلى أن سقط أحد مُضيفي الطائرة على أرضها بين المقاعد. تماسكه الذي كان.. ما عاد. الطائرة تهبط بسرعة والركاب غائبون بين صرخات ذعر، وترديد ذكر الله وبكاء. التقط دفتره الصَّغير وقلماً يحتفظ بهما في قلب حقيبة يحملها معه في أسفاره. راح يكتب: «الطائرة الآن تهتز.. الركاب مذعورون.. سقط المضيف.. كمامات الأكسجين تتدلَّى من السَّقف.. ربما نموت.. وأنا أكتب الآن بخطي المرتعش الذي لن أقرأه رُبَّما بسبب موتٍ وشيك، أو بسبب اهتزازات الطائرة التي أحالت حروفي حروفَ لغة مذعورة غير مفهومة.. أنا أكتب لأن بعد الموت أصيرُ لا شيء، ولأن بوسع دفتري الجلدي أن ينجو إذا ما مُت. أنا أكتب.. لأن الكلمة حياة!».