سيزاري.. حلم العاشقة سيليني ويوبا الثاني

واسيني الأعرج  |   26 نوفمبر 2018

الحروب القاسية تكون عادة وراء الكراهيات الكبرى التي تُورَّث للأجيال. ولكنها يمكن أن تكون سبباً في قصص حب غير مرئية. تجعل منها الحروب الصعبة حدثاً ليس فقط عاطفياً ولكن أيضاً وسيلة لإطفاء نيران الأحقاد والضغائن. سحر الحب يمكنه أن يطفئ ما تفشل الدول في التقليل من نيرانه وحرائقه.
قصة سيليني ويوبا الثاني تستحق أن تروى كواحدة من أجمل قصص الحب، لأنها تبين قوة المرأة وتأثيرها ليس فقط في زوجها وأبنائها ومحيطها الصغير، ولكن أيضاً في سياسة البلاد وهندسة المدينة التي تحمل رشاقة أنثوية ساحرة. تقف سيليني في خلفيتها المؤثرة.
سيليني أو كليوبترا الثامنة شخصية استثنائية عرفت برشاقتها وصفاء ذهنها واندفاعها نحو الفن. سيليني هي الأخت التوأم لألكسندر هيليوس، أمها كليوبترا المعروفة، وابنة مارك أنطوان، يقرران تعيين سيليني ملكة على المملكة المتوسطية في الإسكندرية، في 34 ق.م. مما يثير حفيظة روما التي نظرت إلى المسألة بوصفها اعتداء موجهاً ضد هيمنتها. فنشب صراع مميت بين الإسكندرية وروما انتهى بهزيمة الطرف المصري أمام الماكنة الرومانية، وسقوط مملكة لاجيد Lagide. بعد الانتصار، ألحق أوكتاف المنتصر، مصر بروما، بينما اقتيدت سيليني إلى روما في أول منفى لها، وتسهر على تربيتها أوكتافيا، أخت المنتصر. في سنة 20 ق.م، وتكبر في أحضان الإمبراطور الروماني، برفقة يوبا الثاني النوميدي، المولود في عنابة الذي تمت تربيته في المساحة نفسها ليكون حاكماً غير مرفوض من شعبه، وهي سياسة روما البراغماتية النفعية، في أغلب المناطق التي احتلتها. كان مشبعاً بالقيم الرومانية وهو النوميدي بامتياز. أغرمت سيليني بسرعة بيوبا الثاني ونشأت بينهما قصة حب انبنت على الجمال والرغبة في بناء مدينة الأحلام، قبل أن تصبح زوجة له عندما عين ملكاً على موريتانيا من طرف أوكتاف الذي سيصبح هو أيضاً أوغست، أول إمبراطور روماني، حلمت سيليني التي تسمى أيضاً كليوبترا الثامنة، بمدينة تتجمع فيها كل الثقافات والفنون. فجعلت من سيزاري مساحتها وسلطانها العشقي. فلعبت دوراً حاسماً في ارتقاء المدينة حضارياً، بل إنها أثرت في قرارات يوبا الثاني، بالخصوص في المجال الفني والآداب والهندسة المعمارية. اختارا معاً أن تكون سيزاري (شرشال/‏‏ الجزائر اليوم) عاصمة لهما. وجعلا منها واحدة من أجمل وأبهى العواصم العالمية في وقتهما بطبقاتها وبمعالمها ومعمارها الغني وتماثيلها التي تجمل كل المؤسسات الرسمية والبيوت الراقية. هذا الذوق المصفى لعبت فيه سيليني دوراً كبيراً فهي متأتية من تقليد عائلي شديد الأناقة والرقي الذي جمع فنياً بين الأنماط المعمارية الفنية لمصر القديمة والنمط الإغريقي والروماني. لهذا فالزائر للعاصمة النوميدية اليوم سيكتشف هذا التنوع العالي الذي يشكل جوهر المدينة المعشوقة. ظلت سيليني متعلقة بجنون بيوبا الثاني وبمدينتها التي مارست فيها كل عشقها وجنونها الفني. بعد وفاتها بمدة تزوج يوبا الثاني بغلافيرا Glaphyra، لأنه وفق القانون الروماني لا يحق للمواطن الروماني أن يكون متعدد الزوجات. والشاعر الإغريقي كريناغوروس Crinagoros الذي يصف ظلمة قمرية قاهرة ليلتها وهو ما يصادف خسوفاً. أنجبت سيليني ابنين هما دروسيلا وأخوها بتوليمي الذي أصبح حاكماً لمملكة موريتانيا بعد وفاة والده. حكم من 23 حتى 40 ثم تزوج جونيا أورانيا قبل أن يغتال بسبب الغيرة. وفاة سيليني كانت فجيعة كبيرة بالنسبة إلى يؤبن الثاني. أقسم أن ينشئ لها قبراً في مقامها يشبه قبور أجدادها الفراعنة العظام، ويكون علامة على عظمتها وقوتها. وترك له مكاناً بجانبها يدفن فيه هو أيضاً. يسمى اليوم قبر الرومية وهو موجود في منطقة تيبازة في الجزائر، يشبه الهرم. القبر متأثر بالأنماط الهلينيستية القادمة من الإسكندرية ومن القبور الملكية الكلاسيكية في روما. قبر دائري بأربعة أبواب واحد فيها فقط يقود نحو الرواق الداخلي الذي يقود نحو تابوتي سيليني ويوبا الثاني، الحجريين هو اليوم شاهد حي على واحدة من أجمل قصص الحب العالمية.