83 مرة «اجا وراح الثلج» فيروز.. كيفك أنتِ؟

زهرة الخليج  |   27 نوفمبر 2018

في غمرة انشغال العالم بأسره بطبول حرب عالمية ثانية، ولم يمضِ على الأولى سوى أعوام قليلة، في زمن «قحط» الاستعمار، وتطلع الشعوب للانعتاق والحرية والسلام، في أثناء صعود تيارات عالمية جديدة على مستوى الفنون والآداب، أثناء ذلك كله جرى حدث استثنائي، سيغير مجرى «نهر» الغناء، ليجعله واحداً من المنبع إلى المصب. ولدت فيروز كحدث استثنائي في منطقة تجرعت عذابات الاحتلال والحروب العرقية والطائفية والدينية، وعانت الفقر والجهل والمرض.

في 21 نوفمبر 1935 ولد الصوت الخرافي المغسول بالضياء. ولدت نهاد حداد التي ستصبح لاحقاً فيروز. ولد ذلك الصوت الرهيب الذي يركض حافياً متسلقاً جبال لبنان، وهابطاً أوديته، مثقلاً بالحزن الرصين، ومعبأً بفرح نادر. الصوت الذي لا يُجارى، صوت الدغل والحنطة وصخور الجبال وانثيالات العاطفة. الصوت الآتي من بعيد البعيد، من أعماق الكون، الصوت الذي يصغي له عمق الكون، الصوت الذي يعبر كالسهم من الروح إلى الروح، دونما حاجة إلى جسر من موسيقى، فهو في حد ذاته موسيقى. الصوت الذي لم يحمل قط سوى السلام والحب، وكأنه يهدهد الأرواح فوق حجره، ويحلق بها إلى حيث لا حرب ولا كره ولا شقاء.

 قهوة الصباح

فيروز ومنذ بزوغ نجمها أضحت «طقساً» يومياً للملايين، لا يحتسون قهوة الصباح إلا وهم مسافرون مع صوتها، ينفضون عن أنفسهم التعب، ويتكئون على موسيقى من حرير. لا تغرب شموس مساءاتهم إلا وهم مغموسون في أغنياتها، لا تطيب أطياف الحبيبة إلا بحضور الصوت الفيروزي، لا تصح تأملات عاشقة إلا وفيروز حاضرة بكل بهائها.
في مقاهي طنجة، وخلف مشربيات القاهرة، وراء شرفات أبوظبي، في منحدرات جبال لبنان وقرى العراق، في شوارع الخرطوم والجبال الشاهقات في اليمن، في مسقط وعمّان، في باريس ولندن، في كل زاوية تنطق حرف الضاد، ينثال صوت فيروز صباح مساء، عابراً الأزمنة والأمكنة، ومؤكداً على قيمة الفن العظيم حين يعانق فضاءات الروح.

عطر في زمن الحرب

فيروز التي راحت بادئ الأمر تبحث عن ذاتها، وكأنها كانت مدركة موهبتها الكبرى، تفجرت عبقريتها حين التقت الأخوين عاصي ومنصور رحباني. معهما كانت بدايتها الفعلية في 1952، وهما، من ناحيتهما، عرفا بغريزتهما الفنية أنهما عثرا على «كنز» بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ومع تدفق الأغنيات، خفق القلب أيضاً. فيروز وعاصي عبرا من مجرد تعاون فني عظيم إلى الامتلاء بالآخر والحاجة إليه، وكانت قصة حبهما وكأنها أغنية خالدة يعزفها موسيقي بارع وفنانة أسطورية.
ثمرة قران فيروز وعاصي في 1955 كانت ابنين وبنتين، أشهرهم زياد الذي سار على درب والده في التلحين. وفي 1957 نالت فيروز وسام الاستحقاق من رئيس الجمهورية اللبنانية، كميل شمعون، تعبيراً عن عرفان بلادها لها، واعترافاً بموهبتها الفذة التي كرست لها حياتها في التزام صادق بالفن الخلاق، والعبقرية التي كان لا بد أن تُرعى.
وفي السبعينات ثم الثمانينات، حين ثار الجنون في لبنان، وتفشت شهوة الدم، كانت فيروز هي من يجمع الناس. عند خطوط التماس، وبين فوهات البنادق، وعلى حد السكاكين، كانت فيروز هي قيمة السلام والمحبة الكبرى والوحيدة. كان العشاق المذعورون في بيروت وصيدا وطرابلس يتنشقونها كعطر في زمن الحرب، ويهربون إلى صوتها من أصوات الفجيعة والموت. حين كانت بيروت «كابوساً»، كانت فيروز هي الشمعة التي تضيء عتمة لبنان، واللحن الذي ينهمر من السماء، كمطر لكل المواسم، على أرض مخضبة بالدم، فيغسلها ويمسح عن جبينها العناء.
وأعجوبة فيروز الكبرى، إلى جانب الصوت الخرافي، هي أنها لم تبعد أبداً عن غناء قصائد بسيطة، إنما عميقة، بسيطة في لغتها، عميقة في معانيها لأنها عبرت عن حكايات الناس العادية، الفلاح البسيط الذي يشتاق إلى حبيبته وهو يبذر بذوره في رحم الأرض ويسقيها وينتظر خصبها، الفلاح الذي تمتد حياته فقط بين شجرة الزيتون وحبيبته، ويعبرها على جسر صوت فيروز. العاشقان اللذان افترقا وتحطم حبهما على صخرة الظروف ثم راحا يبحثان عن روحيهما طوال سنوات، على الرغم من أن كل واحد منهما أضحى له عدد من الأبناء، لكنه الحب الذي تعبر عنه فيروز بروحها وحنجرتها وكل ذرة إحساس فيها. عاشق الوطن الذي يحلم بشوارع «القدس» العتيقة، ورائحة أمه، وخبز فلسطين وزعترها.

إنها فيروز

إنها فيروز التي تعجن أغنياتها من طحين البسطاء، وتضع عليه غباراً سحرياً ليستحيل شيئاً لا يُصدق ولا يُرد، يعشقه الوزير والخفير، الأم والطفلة، العاشق والمقاتل، الفلاح والطبيب، التلميذ وربة المنزل.
إنها فيروز التي تمشي أغنياتها، كما السحر، كما ضوء الصباح، كما الغسق، في شوارعنا، بين أنفاسنا، في حقولنا ومصانعنا، في ميادين معاركنا، في كل تفاصيلنا، شيء تغرغر في العظم واستوطن الأنسجة، مثل دواء صرفه طبيب ماهر في وصفات تشفي آلام الروح ووجع القلب.
إنها فيروز، أجمل الطفلات، وأرق المبدعات.
إنها فيروز، علامة على زمن كامل بكل انتصاراته وانكساراته، لكنها هي أجمل ما فيه.
إنه زمن فيروز، سيدة الوقت وسيدة الغناء.
إنها فيروز التي حملت على كاهلها مهمة إسعاد أمة بأسرها في كل أحوالها، بما يزيد على 800 عمل، كل واحد أروع من الآخر.وعلى كثرة الأوسمة والجوائز التي نالتها منذ بدأت البحث عن هويتها وهي في عمر السادسة وإلى اللحظة، إلا أن الجائزة الكبرى هي حياة أغنياتها في الملايين، وعشقهم لها، وهي التي نأت بنفسها عن أي قضية خلافية سوى فن خالص قدمته - كالشهد - لمحبيها، ولم يجازها هؤلاء إلا بمحبة خالصة، جعلت منها أسطورة حية.. كل هؤلاء يقولون لفيروز في يوم ميلادها: «كيفك أنت؟»