Gully Boy (لا يمكنك دفن الأحلام تحت 6 أقدام)

عبدالرحمن الحميري  |   5 مارس 2019

من الصعب ألا تفعل شيئاً بعد مشاهدة هذا الفيلم؛ فالطاقة والإلهام اللذان ستخرج بهما من قاعة السينما سيدفعانك للصراخ أو الغناء والرقص أو ارتكاب حماقة أو كتابة قصيدة! لستُ ملمّاً بالسينما الهندية، ومشاهداتي لها تقتصر على بعض الأفلام التي يوصيني بها بعض الأصدقاء الثقات، أو الحلاق الذي يتابع قناة (زي أفلام) أثناء تهذيب ذقني. وأعترف بأنني في الآونة الأخيرة لم آخذ الأفلام الهندية على محمل الجد، لكثرتها في دور العرض، لكنني لم أكن لأغفر لنفسي لو فوتّ مشاهدة فيلم مثل  «Gully Boy»

يحكي الفيلم قصة الشاب مراد الذي يعيش في حي فقير للأقليات المسلمة وسط بومباي، ويعشق موسيقى الراب، وانطلاقاً من مراد نتعرّف إلى شخصيات الفيلم التي تسهم في سير الأحداث؛ فهناك أبوه المتسلّط الذي يتزوج على أمه، وهناك حبيبة طفولته صافينا التي تخرج معه سراً، وهناك صديقه الذي يكسب رزقه من بعض الأعمال غير الشرعية، وأخيراً (إم سي شير) الذي سيدفعه إلى دخول عالم الراب والصعود نحو النجومية.
أبطال فيلم «Gully Boy» يعيشون حياتين منفصلتين: الواقع والحلم؛ فمراد يحاول تلبية تطلّعات والده من جهة، بالدراسة والعمل سائقاً لدى عائلة ثرية، ويعمل على تحقيق حلمه من جهة أخرى بكتابة أغاني الراب وتسجيلها، في حين تنقسم حياة صافينا بين البيت وخارجه، فهي ترجو أن تتمتع بحرية صديقاتها في الخروج والمرح ووضع أحمر الشفاه، لكنها تضطر للكذب على والديها حتى تلتقي مع مراد. ما أحببته في الفيلم أنه لا يُظهر انحيازاً واضحاً ومباشراً لأي طرف، بل يُظهر الحقيقة كما هي ويترك الحكم للمشاهد. هذه هي شوارع مومباي وهؤلاء هم أناسها وتلك هي حيواتهم، البطل ليس مثالياً فهو يسرق أحياناً، والأب يريد أن يؤمّن مستقبل ابنه بوظيفة تقليدية، والابن يرغب بأن يتبع شغفه الخاص، والفتيات يعانين الكبْت، والفقر المُدقع يؤدي إلى استغلال الأطفال في أعمال إجرامية.

قوة الفن
لا أحب أغاني الراب، ولا أعرف عنها إلا اسم مغنّيها الراحل (تو باك)، وهنا تكمن قوة الفن؛ حيث يجعلك تحب فيلمًا يتناول موضوعاً لا تحبه، وذلك بتقديمه بصورة مبسّطة وعاطفية، ومنبثقة من تفاصيل الحياة اليومية. والراب هنا ليس إلا رمزاً لأي شغف أو حلم آخر، وقد لاحظت براعة الهنود في صنع الأفلام التي تتناول حلماً ما، مثل فيلمي «Dangal وSecret Superstar»، فهم لا يبخلون عليها بالتوابل العاطفية التي تمنحها نكهة مضاعفة، حتى تصل بالمشاهد إلى الرضا والإشباع، وهنا تتضح البصمة الثقافية المشتركة بين أفلامهم وأطباقهم، فشعوري بعد مشاهدة فيلم هندي رائع يشبه إلى حد كبير ما أشعر به بعد انتهائي من تناول طبق برياني أو صالونة «Chicken Butter»
وجدت نفسي كثيراً في شخصية مراد الذي يستلهم كلمات أغانيه من واقعه ومعاناته، متبعاً نصيحة صديقه الذي يخبره بأن (كل الفنانين العِظام كانوا ذات يوم مفلسين وجائعين، وحوّلوا هذا الجوع إلى حكايات)، فالفنّ وسيلة تعزية قبل أن يكون مصدر دخل. وجدتّ نفسي في مراد حين يقاتل لإقناع والده بأن لشغفه قيمة، وأنّ أعماله التي تحرّك مشاعر الناس حتى بعد موته هي ذات قيمة، وأن الحياة أكبر من مجرد وظيفة تقليدية تؤمّن قوت يومك وتخمد روحك. كنت أشاهد كل هذا وأنا أتذكّر أيام الجامعة، حين كنت أجلس في محاضرات الهندسة وأخربش على الدفتر، فيظنني الدكتور أنقل ما على اللوح من ملاحظات، في حين أنني كنت سارحًا بخيالي وأنا أؤلّف مطلع قصيدة.

تذكرة لي ولكم
اقتباسات من فيلم Gully Boy:
- (اتبع شغفك والمال سيأتي)
- (حياتي منقلبة رأساً على عقب.. لحسن حظي أنت بجانبي)
- (حمم بركانية من كلماتي ستذيب قيودي.. سيأتي زماني)
- (حياتي من دون صافينا ستكون أشبه بالنموّ من دون طفولة)
- (المال في يخوتهم والبلد تغرق)