وارسو.. مدينة ولدت من رماد

مليكة أحمد

  |   12 مارس 2019

هناك مدن أوروبية تشعّ بالحداثة والثقافة، تجعلك تطير إليها محلِّقاً نحو فضاء ملؤه حبّ الاستكشاف، مدن دائماً ما تتغنى بتاريخها الفني العريق، وتتفاخر بحداثة طرازها العمراني الساحر الممزوج برائحة الملوك ورغبة الخلود. و«وارسو» واحدة منها، فهي أحد أكثر المدن ميزة في أوروبا الشرقية فهي مدينة غنية بالتاريخ، والفخر بالتراث والحضارة. تغنى بها الشعراء، وقيل عنها الكثير، مدينة ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية، بعدما دُمّر جزء كبير منها.

في قلب بولندا
تقع مدينة وارسو (كاراكوف سابقاً) في قلب بولندا، في محافظة وازويكي، تحدّها شرقاً روسيا والتشيك، وهي العاصمة الاقتصادية والسياسية لها منذ قرون خلت، كانت تعرف باسم مدينة «فينيكس» أي «الفينيق» أو «العنقاء» نسبة إلى طائر الفينيق الذي يعتبر حتى يومنا هذا رمزاً من رموز المدينة. خلال الحرب العالمية الثانية، شهدت المدينة دماراً تاريخياً واسعاً، قضى على جزءٍ كبير منها، وألحق العديد من الأضرار المادية بعمرانها وشوارعها وساحاتها، لكنها وعند نهاية الحرب لم تستسلم وراحت ترمّم وتبني وتُعمِّر حتى تمّ اختيارها وإدراجها عام 1980 ضمن قائمة اليونيسكو للتراث كأجمل المدن الأوربية تاريخاً، وتراثاً، وحضارة. يعبر المدينة نهر فيستولا الذي يشطرها إلى نصفين جميلين، يلتقيان فوق تلال سيزلوفيش، التي يطلق عليها اسم «تلال الثورة»، كانت شاهدة على مشاحنات بين روسيا وبولونيا خلال الحرب العالمية الثانية.  تتربّع المدينة على مساحة شاسعة فوق سهول «مازوفيان» الخلابة بارتفاع يصل إلى 100 متر عن سطح البحر، وبعدد سكان يصل إلى أكثر من مليون و700 ألف نسمة.

المدينة القديمة
تعتبر المدينة القديمة، والتي يطلق عليها في بولندا اسم «ستار مياستو»، عاصمة بولندا رسمياً منذ عام 1815، وتمثّل جزءاً مهماً من تاريخ بولندا، إذ تحوي أنقاضاً كثيرة خلفتها الحرب النازية ومازالت واضحة وبارزة في الكثير من زواياها وشوارعها، على غرار المدينة الجديدة المعروفة باسم «ناو مياستو» والمميزة بعمرانها الحديث والعصري. إن رغبتم باكتشاف جمال وجه وارسو الحقيقي، لابدّ لكم من زيارة منطقة «رودميسي» في المدينة القديمة، ستبهركم باحتوائها على كمّ هائل من القصور، والمسارح الرومانية القديمة، والكنائس التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى ، تمّت إعادة ترميمها ومحو آثار الحرب من قبل النظام السوفييتي الجديد مباشرة بعد انتهاء الحرب النازية الشنيعة. تضمّ المدينة القديمة الكثير من المعالم التاريخية والنصب التذكارية باعتبارها رمزاً من رموز المقاومة والصمود أبرزها.

قلعة ملكية
تحتلّ القلعة الملكية، مكانة سياحية مهمة، فتاريخها الطويل يكشف عن يدٍ نازية غادرة استهدفتها إبان الحرب، بغية طمس معالم المدينة الجميلة، لكنّ ترميمها في ثمانينات القرن الماضي، جعلها تقفز من جديد على سلّم أبرز المعالم التاريخية في وارسو، فضلاً عن ضمها لمجموعة كبيرة من الأعمال الفنية والتاريخية الكبيرة التي تتعلق بتاريخ بولندا والحكام الذين مرّوا عليها. تحمل القلعة طرازاً قوطياً مميزاً، ممزوجاً بلمسات من العصر الباروكي، تلفّ أسقفها مجموعة من القرميد الأحمر الجوري الساحر، تُضفي على ساحة القلعة ويطلق عليها اسم «زامكوفي» المحيطة به  نوعاً جمالياً ممتعاً، يشبه ساحات موسكو العريقة، يتوسطها تمثال يحمل سمات الفنانة الرسامة البولندية الشهيرة تمارا دي ليمبيكا.

قصر الحرب الباردة
«قصر الثقافة والعلوم» الذي يعدّ من ناطحات السحاب بارتفاعه الشاهق 231 متراً، يعود تاريخ بنائه خلال الحرب الباردة إلى 1952، يضمّ مجموعة 3288 غرفة تتوزع على 42 طابقاً. يكشف عن إطلالة بانورامية ساحرة للمدينة، تُعقد به أغلب المحاضرات الجامعية والعلمية والندوات الصحفية على حدّ سواء،  كما يعتبر المكان المفضل للانزواء بالمطالعة والقراءة، وما عليكم سوى التوجه نحو إحدى المكتبات المنتشرة من حوله، والجلوس تحت ظلال الحديقة المحيطة به للاسترخاء والغوص عميقاً في عالم الروايات وسحر الأدب.
يليه مركز «كوبرنيكوس للعلوم»، وهو من أكبر المراكز العلمية في بولندا وأوروبا قاطبة، ويضاهي السلك التعليمي المتخصص بتدريس العلوم والأحياء، تّعقد فيه أغلب الدورات التدريبية المخصصة لتطوير العلوم والتكنولوجيا، كما يوجد فيه فرع مخصص لتدريس مجال العلوم للأطفال من 10 سنوات فما فوق، تشجيعاً للبحث والابتكار العلمي، ومواكبة التطورات العصرية في مختلف مجالات العلوم.
ينفرد متحف كارول بورزينسكي، بضمه لمجموعة غنية من اللوحات الفنية لرسامين مبدعين، إذ تعتبر بمثابة كنز وإرث حضاري صنع بصمة واضحة في تاريخ بولندا وأوروبا الفني، أعمال خطها ورسمها ألمع فناني العصر الذهبي بالقرون الوسطى، أبرزهم رينوار، وفان جوخ، وخوسي ريبيرا الرسام الإيطالي والإسباني الأصل، . فيما يضم متحف الانتفاضة، أبرز الآثار التاريخية الشاهدة على التفجيرات التي لحقت بالمدينة في حرب عام 1944، يعرض مجموعة كبيرة من الصور والوثائق التاريخية للجيش البولندي على مدى 10 قرون.

فنادق باروكية
تعتبر الفنادق في وارسو، عنواناً وواجهة أساسية للمدينة، ولعلّ الطراز الباروكي الممزوج بالحداثة يجعلها دائماً محطّ أنظار وقبلة السياح، منها فندق «كرازينسكي» الذي كان قصراً تقطنه عائلة ملكية دوقية، نُكل بها وشُرّدت وأبعدت عن بولندا إبان الاحتلال النازي. وهو الأجمل بين الفنادق ذات اللمسة المخملية، يتميز بموقع استراتيجي جذاب، فوق نهر فيستولا، ما يجعله في الصيف مكتظاً بالنزلاء الذين يستمتعون ببرامجه الترفيهية المنظمة في رحلات بحرية على ضاف النهر الجميل، أما غرفه وأجنحته الملكية المطلة على مساحة شاسعة من غابة «كمبينوسكي» الخضراء المحيطة بالنهر، فتمثل إقامة مستهدفة لإتمام مراسم حفلات الزفاف الأسطورية، شرفته الواسعة مشرعة على المدينة القديمة.

عصور مختلفة
منتزه طريق الملوك، المعروف باسم حديقة «تراكت كروليوسكي» يتخذ مساحة تصل إلى أكثر من 10 كيلومترات، ويتربع على أطراف شارع «فلوريانسكا»، حيث يمكث بيت الرسام البولندي الشهير جان ما تيجكو. ستشهد وأنت تتجول بين مرافق الحديقة، عصورًا مختلفة مرت من هناك، كثرة النصب التاريخية والمعالم الأثرية موزعة بطريقة متناسقة، ومكتوباً عليها التاريخ والمكان والمناسبة، تماثيل أخرى تحمل وجوهاً ملكية أسطورية مرت من هناك.

إفلاس سلسلة مطاعم الطاهي الشهير جيمي أوليفر

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث