دَعنِي فقط أختبِر جُنونِي

واسيني الأعرج

  |   11 مايو 2019

هل هو القدر يشبه ريحاً عاتية، يكنسني ويمضي، وكأني لم أكن أبداً؟ هل هي أنا فقط بأوهام الاستحالة؟ أعدّ خسائري وانتصاراتي الصغيرة. سنوات انسحبت وأخرى آتية مليئة بالفرح والحرائق. كم مر الوقت سريعاً قبل أن تأكلنا منافي الروح. أنظر إلى هذا اليوم الممطر بعين العاشقة وأسألني بخوف الريبة: كم من سنوات مرت بيننا؟ لكن يا ألمي وهبلي المستعاد، هل يحسب العاشق سنوات الجنون بالزمن كما كل الناس؟ أم بالثواني التي عاشها عشقاً وليس عمراً؟ كم من أناس عاشوا بلا ماء عذب ولا زهر ولا عطر. لا فرح ولا رقص ولا شوق معتقاً. جفاف أنجب جفافاً. وخوف تراكم على خوف.
هل للوقت قيمة عندما يمر هارباً مثل ندى الفجر؟ أعد اللحظات من الثانية الأولى التي جاءت بك فيها الأقدار نحوي، أو قادتني نحو ظلك ورمتني في تيهك، وربما في عطرك. من أين أتت تلك الصدفة القاسية، ومن حرك داخلها المشتعل؟ وقفتُ برعشة طفولتي، أمام ارتباكك وشموسك.
تأملت وجهك طويلاً. أهذا هو أنت أخيراً من لحم ودم وبعض شراب محرم خوف التيه، بعد أن خرجتَ من حنين اللغة. قلت لك برعشة قرأتها في الداخل: قرأتك كثيراً. وتمنيت أن أراك؟ بل حلمت بأني كنت مبهمك الأبدي، ورأيتك في دوار ضيع ذاكرتي. هل كان ذلك في ساحة صغيرة بجوار معبد قديم؟ في مطعم كبير يملؤه الناس بضجيجهم؟ أم فقط في خيال صنعك، فشكلك؟ كنت أعرفك ولم أعرفني يومها؟ كيف تخطيتُ كل حواجزي لأنتهي فيك؟ لم أكن غريبة على قلبك. قلتَ لي وأنت تبحث في عيني عن السر الذي جعلني أوقفك وأنت عابر: سأمنحك رواية جدي الذي صنعته من خوفي ومن فرحي، ومن بقايا كتبه وأندلسه السليبة. كنتِ فرحة كغبية، لا تعرف ما تخفيه الأزمان. منذ تلك اللحظة حلت الجرأة مكان الخجل.
في أول مرة ونحن على حافة الظلام وكنت أركض: سألتني إلى أين؟ نحو الحب أم نحو هاوية الظلام؟ قلتُ لك تكفيني ثانية أراك فيها فقط، لا أريد منك شيئاً. مر زمن واشتعلت حرائق كثيرة وخفتت أخرى. جفت حدائق الأجداد من عنبها وبرتقالها، وحتى من تفاحها المقدس الذي كاد ينهي أسطورة آدم وحواء. قلتَ لي يمكننا أن نكون أصدقاء جميلين. بجنون العاشقة التي سحبتها رياح القلب نحو المجهول: لم يرمني القدر بين ذراعيك لتكون صديقي فقط. فأنت هنا لأنك حبيبي. سألت نفسي يوماً وأنا أتركك عرضة لعواصفك القاتلة، وأهرب بعيداً نحو فراغ أبيض لأنساك، أكان هو فراغ الموت أم الحياة؟ لا أعرف. أول ما عبرت عتباته، وجدتني أتراجع بذعر. ناديتك، بأعلى وجع في قلبي، فلم أسمع إلا صوتاً يأتي من الأعماق: سيخذلك الآتون إلا قلبي. فجأة بدأت أدق على كل أبوابك الموصدة. للأبواب المغلقة طعم الموت، ورائحة المنافي. رأيت المفردات المتزاحمة التي خُطّت بخيط الرواح، برأس أناملك الناعمة: حبيبتي. أكثري الدق ولا تتخلي عن قلب يعيش بك. ما زلتِ هنا. ما زلتِ هنا. ما زلتُ كما لم نكن من قبل. مر زمن ولا شيء تغير في هذا الجنون. أنا هنا كما لم أكن يوماً لغيرك.
من قال إن الحبّ طريق مستقيم كخيط اليقين؟ دعك من عواصفي وغضبي، فأنا متخفية عن الأعين فقط لأراك أكثر. من يلوم عاشقة عن جنون لم تصنعه، لكنه سكنها بلا إذن ولا سؤال؟ من يلوم امرأة انتفت في معشوق اللغة والكتب الممنوعة، فقط لتختبر جنونها للمرة الأخيرة؟

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث