الدهشة الكامنة في عادية الأشياء

سعود السنعوسي  |   29 يونيو 2019

أين ذهبت أُم علي؟
تلك الدعسوقة الحمراء المرقطَّة بالأسود، التي تزور حدائقنا ربيعاً، وتُزيِّن أغلفة قصص الأطفال من سلسلة ليدي بيرد. كنت أفكر وأحصي تلك الأشياء التي كانت تثير دهشتي صغيراً، وأفتقدها اليوم في زحمة العالم وضجيج الحياة الافتراضية في أثير يشبه غيمة لا وجود لها، سبيلنا الوحيد إلى إدراكها شاشات هواتفنا المحمولة، تلك التي عزَّزت عزلتنا وانفصالنا عن الطبيعة وتفاصيل الأشياء من حولنا.
ليست أُم علي وحدها فقيدة الإهمال لقاء الاعتقاد بانقراضها، إنما الزَّبوط أيضاً ما عاد يشكل عنصراً حاضراً في سواحلنا، والزَّبوط في لهجتنا الدَّارجة هو القوقعة متناهية الصِّغر، التي تكثر في رمال السَّواحل، يخرح منها الكائن الرخوي يسير على مهل إذا ما استشعر أماناً بعيداً عن تطفل الإنسان وخطو قدميه العمياوين. ماذا عن طيور الربيع المهاجرة؟ القوبع بألوان ريش الزَّرزور المتوَّج بعُرف هُدهُد فتي، وأُم سالم دقيقة المنقار رشيقة القوام فريدة الصَّوت، والرُّمَّاني كبير الرأس صغير الجسد بُنِّي الجناح، والقُفُّصي بمنقارِه الصَّغير وملامحه الوادعة، والفُقاقة التي اتخَذَت من ألوان البطريق ثوباً أنيقاً، والحَمَرُّوش ببرقعه الأسود، والزَّعَّرة صغيرة الجُرم بريئة الملامح، والحمَّامي لِعْرُبي أو الصِّرد الرَّمادي باللطخة السَّوداء حول عينيه مثل عصابة اللصوص في أفلام الكارتون.
ماذا عن الفراشات البرتقالية المرقطة بالأسود؟ ماذا عن البيضاء والصَّفراء؟ ماذا عن القُبِّي؟ دودة التراب الرَّطب في طور حياتها الأول قبل أن تستحيل خنفساء أو أبا جعل. وأين صارت نباتات الهندباء التي كنا نلهو بها صغاراً، ننفخُ بذورها القطنية ننشرها في الفضاء؟ والبمبر! أتُراه ما زال موجوداً يتدلَّى من أغصان تلك الشجرة كبيرة الأوراق؟ ثمار طفولتنا التي تختزل ذاكرتنا بطعم ذاك السائل الصمغي اللزج، ثمار نلهو بها قذفاً على الجدران نلصقها، بعد أن نملأ بها بطوننا. كنت أحسب أن كل تلك المنمنمات التي شكَّلت جدارية ذاكرة الطفولة، واستفزَّت دهشتنا صغاراً، قد أحالها الانقراض إلى ذكرى. ألصق التهمة بتغير المناخ والتمدُّد العمراني وانبعاثات المصانع ومخلفات الحضارة. ولكن كل تفاصيل الدَّهشة القديمة ما زالت موجودة رغم كل شيء. لم ينقرض من تفاصيل الماضي إلا ذاك الطفل الذي في داخلنا. جرَّبت الخروج من قُمقُم العالم الافتراضي الضَّيِّق رغم وهم اتساعه، وجدت أن كل مسبِّبات الدهشة القديمة موجودة كما هي منذ كانت، إنما نحن من اختار العمى عن طيب خاطر، واتجهنا لخنق ذاك الطفل في نفوسنا بلا وعي.
هل جرَّبت يوماً أن تخرج من عالمك الافتراضي؟ يوم واحد على سبيل التجربة. تبتعد عن تلك الدهشة الزائفة التي لا لون ولا طعم ولا صوت ولا رائحة ولا وجود لها! عالم ارتضيناه مصدر قلق واكتئاب، رغم أن العالم من حولنا، على كل خيباته، ما زال جميلاً.
أُم علي ما زالت على عهدها تزورنا كل ربيع، رفقة الطيور المهاجرة، وزبابيط السَّاحل والفراشات وثمار البمبر المثقلة بعُصارتها، ولكن نحن من هجرنا طفل الحدائق والسَّواحل في ذواتنا، وانصرفنا عن الدهشة الكامنة في عادية الأشياء نحو جفاف عوالم وهمية، أجمل ما فيها.. فوتوشوب!