روي أندرسون.. سخرية التميز في السرد والإخراج

فهد الأسطاء

  |   7 أكتوبر 2019

الشهر الماضي مع ختام «مهرجان فينيسيا السينمائي»، كان المخرج السويدي صاحب الـ76 عاماً، روي أندرسون قد توج بجائزة «الدب الفضي» كأفضل مخرج في المهرجان عن فيلمه الأخير عام 2019 About Endlessness، والذي قد فاز في المهرجان قبل خمس سنوات عام 2014، في فيلمه قبل الأخير A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence بجائزة «الأسد الذهبي» كأفضل فيلم، بينما كان فيلمه الثاني والأشهر Songs from the Second Floor، قد فاز في «مهرجان كان السينمائي» عام 2000 بجائزة لجنة التحكيم.

هذه الجوائز لا يمكن أن تعبر عن القيمة الفنية العالية لهذا المخرج الفريد ذي الأسلوب الخاص والاستثنائي، والذي صرح عنه ذات يوم المخرج الدنماركي الكبير لارس فون ترير، أنه المخرج الوحيد الذي يخشى منافسته في المهرجان - لكننا سنلحظ في البداية أنه من المخرجين المقلين جداً، فهو لا يملك حتى هذا اليوم سوى ستة أفلام روائية طويلة، بدأها عام 1970 ثم توقف لأكثر من 25 عاماً، ما بين فيلمه الثاني والثالث وهو الفيلم الذي أطلق منه ثلاثيته الشهيرة، ثم مستمراً على الأسلوب نفسه الخاص بفيلمه الأخير، الذي شارك هذا العام في «مهرجان فينيسيا». وربما يعود الأمر لانهماكه الكبير في صناعة الإعلانات التجارية والتي يمول منها أفلامه أيضاً. على الرغم من أنه قدم العديد من الأفلام القصيرة وفيلمين وثائقيين.

حس تعبيري
من خلال أفلامه الستة، يمكننا ملاحظة الأمر الآخر المتعلق بالمخرج، الذي أشرف عليه ذات مرة السويدي العظيم أنغمار بريغمان في مدرسة السينما، وهو أسلوبه الفذ في طريقة تقديم أفلامه وتصوير مشاهده وتركيب المشهديات، ذات اللقطات الثابتة والطويلة، ومعالجة القضايا التي يريد طرحها وفق أسلوب سوداوي كوميدي بحس تعبيري سريالي نوعاً ما، وبعد أن كان قد توقف مدة 25 عاماً، بعد فيلمه الثاني عام 1975 (Giliap)، الذي كان سلبياً عليه حينما عانى تعثرات كثيرة وخسارات مالية خلافاً لفيلمه الأول عام 1970 «قصة حب سويدية /‏ A Swedish Love Story»، والذي حقق حضوراً مدهشاً في «مهرجان برلين» حينها محققاً أكثر من جائزة، ويحكي قصة شاب وفتاة يقعان في الحب خلال فترة الصيف وسط معارضة الكبار وامتعاضهم باعتبارها مجرد حب شباب.

دراما رومانسية
كان الفيلم دراما رومانسية جميلة ولطيفة، ولكن بالعودة إليه الآن، لن يبدو أن روي أندرسون هو مخرجه، ويختلف تماماً عما خطه لاحقاً في أسلوبه وظهر في آخر أفلامه، والتي يمكن تحديدها مع بداية الثلاثية عام 2000 بفيلمه التحفة (أغاني من الطابق الثاني /‏ Songs from the Second Floor) والذي حقق نجاحاً كبيراً وفاز بجائزة لجنة التحكيم في «كان»، ووضع أندرسون في مصاف المخرجين ذوي التوجه الخاص والمتميز بتفرد أسلوبه، على أن هذا الفيلم الذي استمر في تصويره أربع سنوات لا يحكي قصة معتادة بالطريقة التقليدية، وإنما أشبه بلوحات اجتماعية وجودية تحمل نقداً متراوحاً بين القسوة والسخرية، وهو في الحقيقة مستوحى من قصيدة لشاعر بيرو سيزار فاليخو. يقول روي أندرسون تعليقاً على الفيلم: «تساءل الناس عن كيفية تصنيف فيلمي. هل هو عبثي أم سريالي؟ وأنا أقول إنه يقدم أسلوباً أود تسميته «التفاهات». يتم تصوير الحياة على أنها سلسلة من المكونات التافهة. نيتي هي أن أتناول قضايا أكبر وأكثر فلسفية في الوقت نفسه». وهذا يذكرنا بذلك المشهد الرائع والمؤثر من الفيلم حينما كان البطل السيد كالي يقف وهو ملطخ بآثار الفحم على حافة البار، ليقول بعد فترة صمت «من الصعب أن تكون إنسانياً»، وهي العبارة التي اعتمدها متحف الفنون والتصميم في مدينة نيويورك عام 2015، حينما قدم أعمال أندرسون بعنوان، «من الصعب أن تكون إنسانياً: سينما روي أندرسون».

أسلوب سردي
بعد نجاح هذا الفيلم بسبع سنوات، يقدم أندرسون فيلمه الثاني من هذه الثلاثية والرابع في مسيرته عام 2007 بعنوان You, the Living، وبنفس النمط والأسلوب السردي والإخراجي، يقدم هنا فيلماً آخر عن البشرية عظمتها وخوارها، ضعفها وقوتها، فرحها وحزنها، ثقتها وقلقها، وهو ما سنشاهد شيئاً منه في الفيلم الثالث من الثلاثية عام 2014 الفائز بأسد فينيسيا الذهبي (حمامة حطت على غصن تتأمل الوجود /‏ A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence)، لكنه هنا يربط لوحاته الساخرة بحسها الفانتازي والسيريالي وشخصياتها المتعددة باثنين من الباعة المتجولين الذين يتنقلون بين الأماكن ويقابلون العديد من الشخصيات المتنافرة والمختلفة من دون أن يتمكنوا من بيع شيء.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث