هوس التسوّق يصيب 90% من النساء

آنو السرحان  |   31 يناير 2020

يعدّ التسوُّق عبر الإنترنت من أكثر الخدمات رواجاً في مجتمعنا؛ بسبب سهولة الوصول إلى الشَّبكة، وإلى المواد المراد شراؤها، وانخفاض الأسعار، والحرية في الاختيار، وسهولة الوصول للمنتج، وغيرها من المميِّزات التي جعلت منه أسلوباً محبباً جداً وسهلاً للمصابات بهذا الهوس. وتشير دراسات حديثة إلى أن فكرة الشراء تراود المرأة كل 60 ثانية، وأن 90% من النساء مصابات بهوس الشراء.

وبحسب أهل الخبرة، أن مهووسات الشراء بمعدلات تزيد على الحاجة، من دون أي مبرر منطقي، سوى أنهن يعانين اضطرابات مزاجية أو قلقاً أو عدم استقرار عاطفي، وربما أيضاً لصعوبة التحكم في رغباتهن المتكررة، لديهن قدرة أعلى في تحليل البيانات البصرية التي تصل للمخ، مما يفسر اهتمامهن بشكل السلع وبريقها، وانجذابهن لهذا البريق.

فراغ عاطفي

 إذا كانت المرأة تعتبر التسوق جزءاً أساسياً من بهجتها، يشعر 50% من الرجال بنشوة جميلة أيضاً. إلا أن النساء بطبيعتهن وجيناتهن ينظرن للتسوق كنشاط ترفيهي، بينما ينظر له الرجال كمهمة هدفها شراء سلع معينة لهدف معين، ولا يميلون لإظهار إعجاب بنشاط التسوق في حد ذاته.

 ووفقاً للدراسات والعلوم الاجتماعية، فإن المصابات بهوس الشراء غالباً ما يرتبط الأمر لديهن بالتعرض لحوادث أو مواقف خاصة في الطفولة. فيشعرن بالحاجة إلى التسوق داخل المولات الكبيرة والمكتظة بالزوار لقضاء الوقت والتسلية. ولأن التسوُّق الإلكترونيّ صار جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليوميَّة، فهو عمليَّة ممتعة جداً لمن يحسن التَّعامل معها، باعتبارها أهم وسيلة ترفيهيَّة للنِّساء المهووسات باقتناء كل جديد، وقضاء أجمل أوقات التسوُّق من دون الحاجة للخروج، فقد وفَّر عليهن الوقت والجهد، ومكنهنَّ من مقارنة الأسعار بالمواقع المعروض بها البضائع، والشِّراء بالسِّعر المناسب دون التقيُّد بالزَّمان والمكان.

 ويؤكد المتخصصون أنّ إدمان للتسوق مجرد محاولة لسد الفراغ العاطفي. لذلك فإن هوس وإدمان الشراء قد يكون عارضاً لأكثر من مرض، وغالباً ما يكون تعويضاً لحالة اضطراب وجداني، فيصرفن مبالغ خيالية في مدة قصيرة جداً، للحصول على الإحساس بالسعادة.

الاستقرار النفسي

 تقول مصممة الأزياء العالمية هناء صادق إنّ السيدات المستقرات نفسياً ليس لديهن هوس الشراء، ومن تقصد السوق منهن أو يتسوقن عبر الإنترنت، «غالباً الأشياء التي يشترينها لا يستعملنها، لأنها تكون الرابط بين الحالة النفسية التي قصدن السوق لأجلها، والثياب التي اشترينها بالنسبة لهن ملابس لا تشبههن في الألوان والستايل، لذلك تجد عندهن قطع ملابس لا يرتدينها، لأنهن اشترينها في حالة اكتئاب، لذلك لا يستخدمنها». وتضيف: «يبدو أن صوت أكياس الملابس الجديدة، بالنسبة للنساء، فيه الكثير من الموسيقى التي تعتبر مهدئة، حيث تدخل البهجة والحيوية إلى يومها الروتيني».

الهوس القهري

هوس التسوق القهري أو هوس الشراء oniomania، هو مرض نفسي يتميز بقيام الشخص بالتسوق والشراء من دون دوافع منطقية أو احتياج للسلع المشتراة. وبعد زوال لذة الشراء يشعر الشخص بآلام نفسية وتوبيخ داخلي على فعله، كما يقول استشاري الطب النفسي والعلاج السلوكي والإدمان الدكتور طارق حجاوي، وتبدأ أعراضه في مرحلة المراهقة. 

 وتشير الدراسات إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بهوس التسوق عن الرجال بنسبة تزيد على 60%، وربما يرجع هذا إلى «أن النساء أكثر تعرضاً للضغوط النفسية من الرجال وإلى اهتمام الرجال بالعمل بشكل أساسي بينما تتولى المرأة مسؤوليات أكثر إرهاقاً وتشعباً».

 أخصائية الطب النفسي العيادي الدكتورة نسرين الدباس، تقول: «عندما تبدأ المرأة الاقتراض من أجل التسوق وشراء الملابس والسفر، وتدخل بسبب إدمانها الشراء، في أزمات مادية وأحياناً زوجية، ولا تكترث للأمر، بل وتستمر في الشراء، عندها نقول إنها تعاني هوس الشراء القهري، وغالباً ما تكون محبطة وتحاول التعويض بالشراء ولفت الانتباه بتصرفات فيها الكثير من الحركة والترفيه، وربما يعود ذلك إلى ارتباط (الدوبامين) لدى مرضى هوس الشراء بآلية عمل مشابهة للآلية التي يحدث بها شعور الانتشاء لدى مرضى الأنواع الأخرى من الإدمان».

وتضيف: «أعتقد أن معدلات الإصابة بهوس الشراء تتناسب مع زيادة معدلات أوقات الفراغ لدى المرأة».

العربيات أكثر تأزمّاً

 اكتسح التسوُّق الإلكترونيّ العالم العربيّ مؤخراً، وبدأ بفكرة استغربها المجتمع، وبعد ذلك ظاهرة يتداولها الأغلبيَّة، وتقول الإحصائيَّات إنَّ أغلبيَّة المكتسحات لهذه الأسواق هنَّ من النِّساء، ومن أعمار وطبقات اجتماعيَّة مختلفة، ويعلل الرأي النفسيّ ذلك بأنَّ بعض النِّساء يعتبرن ذلك ترفيهاً لهن، فبعد يوم شاق من متطلَّبات الحياة اليوميَّة، تجد المرأة متعة في التسوُّق عبر جهازها الخاص عن طريق تلك المواقع الإلكترونيَّة.

وتؤكد الدباس: «من خلال رؤيتي وتعاملي مع حالات كثيرة كأخصائيَّة نفسية، أجد أنَّ الكثيرات ممن يقبلن على ذلك الأمر تكون لديهنَّ أسباب ملحَّة، وقد تصل إلى درجة غير متوقَّعة من الشره في الشِّراء، فبعضهنَّ ينظرن إلى موضوع التسوُّق الإلكترونيّ على أنَّه من أجل الاستعراض أمام صديقاتهن».

 وتضيف: «هناك شريحة أخرى قد تكون لديهنَّ أسباب موضوعيَّة لذلك الشِّراء، كأن تكون أوقات عملهنَّ مثلاً لا تسمح لهنَّ بالنُّزول إلى التسوُّق، فيستخدمن التسوُّق الإلكترونيّ عوضاً عن ذلك، لكن بعض الحالات التي قد تكون غير طبيعيَّة، ولديها هوس غير مبرر لذلك التسوُّق، فهي فقط تقضي وقتاً أمام جهاز الكمبيوتر، وتجرِّب كل ما فيه، ومن ضمنها مواقع التسوُّق الإلكتروني».

وعلى الرغم من أن البيانات الرسمية تشير إلى نسبة البطالة بين النساء تصل إلى 35? في العالم العربي، لكن يبدو أن المصابات بهوس التسوق تتجاوز نسب البطالة، ويعزو البعض ذلك إلى أزمات عاطفية واضطرابات، مما يعني أن النساء العربيات هن الأكثر تأزما في العالم.

انعكاسات على النفسية

 يتبع الإنسان سلوكيات معينة لإشباع أشياء محددة، منها اللجوء للشراء بلا هدف لكسر الروتين، وهذه العملية تساعده على التنفيس الانفعالي، والمرأة بشكل عام تشعر بالراحة النفسية بعد الذهاب للتسوق، لتفريغ الشحنات السلبية، والتسوق يزيدها ثقة بالنفس، فتلجأ للتسوق بلا هدف، واقتناء أشياء ليست بحاجة لها، نتيجة بعض الأفكار في البيئة المحيطة مثل التفاخر والتباهي، ولمجرد التقليد لتشعر بأنها ليست دون المستوى، وكل هذه الأفكار تؤدي إلى الشراء غير المقنن، وهذه الأفكار يصدقها العقل وينفذها السلوك، فضلاً عن أن هناك أسباباً ترجع للطفولة نتيجة للحرمان غير المبرر أو الزواج من شخص بخيل، وحين تُتاح للشخص فرصة الإنفاق يصبح شخصية انتقامية في الشراء، حتى يعوض النقص الذي عاناه في فترات حياته المختلفة.

 ويقول الدكتور حجاوي: إنّ الشخصية التي تقتني الأشياء بلا هدف وبلا داعٍ، لم تنضج بعد من الجانب الاقتصادي المالي، وغير قادرة على التخطيط. ويرى أنّ الحل في الحد من شره التسوق يكمن في تحديد الدافع من وراء الشراء، وذلك بالاطلاع على أفكار إيجابية، ومن الممكن أن تستغرق عملية الشفاء وتغيير الممارسات والأفكار الخاطئة من 3 إلى 6 أشهر.

العلاج التدريجي

 تشير دكتورة دباس إلى طريقة تسمى «كف السلوك تدريجياً»، تساعد على التخلص من نهم التسوق، موضحة: «عندما يذهب الشخص للتسوق وتعجبه سلعة فيجب أن يتمهل ويعطي نفسه فرصة للتفكير ويتركها، ويذهب لمكان آخر، فإذا ظلت السلعة عالقة في ذهنه وتشغل تفكيره، فذلك يعني أنها ضرورية وأساسية، أما إذا تناساها، ولم يفكر فيها فيعني ذلك أنها ليست أساسية، ومن الممكن الاستغناء عنها».

 وتؤكد: «كمعظم الأمراض النفسية تبدأ أولى خطوات العلاج بعد وعي المريض لحالته ولو بصورة جزئية»، وفي حالة مريض التسوق القهري نجد أنه ينفي ويبرر شراءه حتى وإن كان تبريره مختلقاً. 

الخطوة الثانية هي استشارة الطبيب النفسي والذي يبدأ عادة بجلسات تحليل نفسية للوقوف على الأسباب الحقيقية للمرض. يتخذ العلاج اتجاهين؛ الأول هو العلاج الدوائي المساعد والذي يعمل على تهيئة المريض للعلاج السلوكي. الاتجاه الثاني وهو العلاج السلوكي والمتمثل في محاولة الطبيب تصحيح سلوك المريض وتقوية عزيمته على مقاومة رغبته في الشراء وترتيب أولويات حياته وإنفاقه. 

أعراض هوس الشراء:

• تزايد رغبة الذهاب للمتاجر واختيارها دائماً هدفاً أول عند الخروج للتنزه أو بعد العودة من العمل.

• الإحساس بلذة ومتعة أثناء عملية الشراء.

• الإنفاق ببذخ حتى وإن كانت الحالة الاقتصادية لا تسمح بذلك.

• شراء أشياء ليس لها أهمية أو غير مناسبة للشخص.

• الحرص على شراء أشياء شخصية ليس لها استخدام لبقية أفراد العائلة.

• الإحساس بالذنب بعد الشراء وعدم الاهتمام بالأشياء المشتراة، بل محاولة تجنب رؤيتها أو النظر إليها مرة أخرى.

• الكذب واختلاق أشياء وهمية مثل وجود عروض مخفضة على السلع المشتراة أو الحصول عليها كهدية من صديق.

• سعي الشخص الدائم لتوفير المال اللازم للشراء، سواء من أحد أفراد العائلة أو عن طريق إجهاد نفسه في العمل.