موسيقى الجاز تمرد النغمات

إشراقة النور  |   22 أبريل 2020

 من كان يصدق أن حقول القطن التي كان يعمل بها الأميركيون من أصل أفريقي والتي أرخت لأسفار العبودية في أميركا، وتفتحت براعم لوزها كل صباح عن جرح عنصري، ستعلن عن فجر لفن طروب سرب إلى فضاء الإنسانية أنغاماً متمردة وألحاناً كسرت دائرة فلك الأسياد البيض، فأضاءت بها وجدان السود نغماً وإيقاعاً، احتضن المساواة وعزز التواصل وتراكمت معارفه الفنية عبر الأجيال، مكوناً ما يعرف اليوم بـ«الجاز»، هكذا نبتت حكاية هذه الموسيقى الخالدة في قلب الأرض الخضراء والتي نرصد مسيرتها من خلال هذه السطور.
كان العمال في مزارع القطن في أميركا يرفهون عن أنفسهم بإيقاعاتهم الأفريقية، التي حملوها معهم في وجدانهم من مسقط رأسهم وتعبيرهم عن المعاناة  بـ«النقر» على الطبول الضخمة، والَّتي تُعزف حينها مبنيّةً على طقوس الفودو وهي نوع من العقائد لديهم، لكن هذه الموسيقى لاقت إعجاباً كبيراً من الجميع، بكل ألوانهم وثقافاتهم وطبقاتهم الاجتماعية، مع مرور الوقت أثرتها روافد عديدة من الموسيقى الغربية وترانيم الكنائس وإيقاعات الطبول الأفريقية الحارة، لكن التأثير الأقوى كان للفرق النحاسية التي تجوب الشوارع وتشارك في المآتم والاحتفالات، حيث اتخذت موسيقى الجاز آلاتها من هذه الفرق، ويحدثنا التاريخ أنها لم تكن المصدر الوحيد لتبني الآلات النحاسية.

ارتجال موسيقي
مع نهاية الحرب الأهلية الأميركية في عام 1865، وجد الزنوج كميات من الآلات النحاسية التي خلفتها المعارك من الفرق الموسيقية العسكرية، فصاروا يعالجونها باختراع الألحان المعزوفة عليها، حتى تكرس تقليد موسيقي كان ضمن الإرهاصات الأولى للجاز، الذي اعتمد آلات الطرب النحاسية إضافة إلى الطبل والبوق والكلارينت، ضمن جوقة عزف الجاز. وما إن حل عام 1895 حتى أطل من مدينة نيوأورليانز المغني بادي بولدن بفرقته التي كانت المفتتح لإنشاء فرق الجاز، حيث اعتمدت هذه الفرقة أسلوب الارتجال الذي ميز موسيقى الجاز من دون الاعتماد على النوتة الموسيقية المدونة.
بعد ذلك اجتاح طوفان موسيقى الجاز، أنحاء الولايات الأميركية المتحدة، جاذبة إليها الشباب من كل الاتجاهات والمشارب، واستلمت زمام المبادرة الفنية في صالات الرقص والملاهي والحدائق العامة ومناسبات الأفراح وحتى في مراسم دفن الجنائز، حتى بات خليطاً من مشاعر وجوهر العديد من الأشخاص والثقافات والأمزجة ويجمعهم في بهجة وحيوية والرغبة في الرقص.

 جاز أبيض
كان الجاز ماركة مسجلة لبراحات الوجدان الأفريقي الصاخب، المتأثر كونياً بحرارة خط الاستواء، لذلك عندما حاولت مجموعة من الموسيقيين البيض الدخول لهذا العالم الحار إبداعياً، لم يصادفها النجاح وهي تتوكأ على  عصى النوتة الموسيقية التي تمرد عليها ارتجالاً موسيقيو الجاز. لكن الموسيقيين البيض لم ييأسوا فتوالت محاولاتهم التي أسفرت عن جديد في موسيقى الجاز، سمي بـ(ديكسي لاند) فوجد قبولاً مقدراً لدى المستمع الأميركي وكان ذلك القبول بفضل تبني بعض شركات الأسطوانات والأفلام لهذا النوع من الموسيقى.
توغل الجاز منتشراً في الأراضي الأميركية، لكن مع انزواء زعامة نيو أورليانز لنشاط موسيقى الجاز وانتقالها إلى شيكاغو، أثناء الحرب العالمية الأولى التي كثرت فيها أنشطة الاستثمار في الترفيه، زاد فيها عدد الملاهي وصالات الرقص، كما زاد امتداد ظل الجاز ليشمل ولايات أخرى مثل بالتيمور وواشنطن ونيويورك وبوسطن، فتنافست الولايات في جذب أكثر عازفي الجاز مهارة في الارتجال.

نمط مختلف
مثل حي هارلم أيقونة وجودية بالنسبة للأميركان الأفارقة، رغم أنه كان قبلة للفقراء والجريمة، لكن من أزقته انبعثت شخصيات كتب لها أن تشكل علامات فارقة في سيرة الزنوج الأميركان، فقد تهادى على أثير فضاءات الفن انطلاق نجمين من نجوم الجاز، هما: فلتشر هندرسون وديوك الينجتون، إذ ذهبا في طريق مخالف لتاريخ موسيقى الجاز، بعد أن قاما بمضاعفة عدد فرقتهما من العازفين مع الإبقاء على الآلات القديمة للجاز، ثم تدخلا في خصوصية الجاز، عبر الارتجال فضيقا مساحته واعتمدا كتابة ألحانهما بالنوتة الموسيقية، ثم أطلقا على طريقتهما هذه (الجاز الجاد). وسجل أول ألبوم لموسيقى الجاز في1917 ودخل البيانو في جوقة الجاز في عام 1920.
 كانت المبادرة معنونة بأسماء تومي دورساي وويني جودمان، وظهر آنذاك اسم لويس أرمسترونغ من نيو أورليانز، كأفضل عازف أنجبه تاريخ الجاز وأول عازف منفرد عظيم.

أسماء في الجاز  العربي
• مصر: يحيى خليل من أوائل من عزفوا الجاز الشرقي في فترتي الستينات والسبعينات.
• لبنان: أنتج زياد الرحباني الذي تعاون مع مغنّين لبنانيين، بينهم سلمى مصفي ورشا رزق وجوزيف صقر.
• سوريا: لينا شاماميان من أبرز مغنيات الجاز، وصدر لها ثلاثة ألبومات هي: (هالأسمر اللون، شامات، غزل البنات).
• السودان: لمع اسم شرحبيل أحمد وكمال كيلا وأميرة خير الشهيرة بـ(ديفا الصحراء السودانية).
• المغرب: استطاعت مليكة زارا، أن تحقق شعبية كبيرة خلال دمج موسيقى الكناوة الأفريقية مع موسيقى الأمازيع.

يوم  عالمي
في نوفمبر 2011، أعلنت الأسرة الدولية من خلال المؤتمر العام لليونيسكو يوم 30 أبريل، من كل عام، يوماً دولياً لموسيقى الجاز، الاحتفال بموسيقى الجاز باعتبارها شكلاً مهماً من الأشكال الفنية الدولية، من أجل تعزيز السلام والحوار بين الثقافات والتنوع واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية ومن أجل القضاء على التمييز وتعزيز حرية التعبير والنهوض بالمساواة بين الجنسين، وتدعيم دور الشباب من أجل تحقيق التغيير الاجتماعي.