السعد المنهالي: وبخني قارئ حين اكتشف أني امرأة!

نوال العلي  |   4 يوليو 2012

في الكتابة عن كاتبة شيء من تحدي القلم، فكيف تقدم من هي الأبلغ في تقديم ذاتها وفكرها الحر وقدرتها على أن تكون مختلفة ومغايرة. بل إنها تلعب بأحد أخطر الأدوات الصحافية، فكتابة العمود الصحافي، مازالت حتى الآن، منطقة شبه محتكرة من قبل الرجال وغير مشجعة للكثير من صاحبات القلم، لأسباب كثيرة ليس هذا موضعها.

شابة إماراتية قد تلمحها بملابس الصلاة تحدث جارتها في بني ياس، مدينتها التي تحب، بلا تكلف. وهي تكتب بنفس الطريقة التي تعيش فيها بعيدة أيضاً عن التصنع والمبالغة وقريبة من قلب الحياة ومن فيها.

وقد تكون قرأت لها مقالها "حالة حكي..صامتة" وتتبعت معها تفاصيل الضحايا المؤلمة. وقد تكون شاركتها انفعالها في الحديث عن "ثقافة مايخصني"...

السعد المنهالي، على أقرب مسافة من قرأها، حتى أولئك الذين كانوا يظنونها رجلاً قبل أن تضع صورتها إلى جانب مقالاتها في صحيفة الاتحاد، درست العلوم السياسية في جامعة الإمارات ثم درست تمهيد الماجستير في القاهرة، لتعود وتبدأ مشوارها الإعلامي في بلادها..

إذا أردنا أن نصف كتابتها ربما يكون أقرب توصيف أن المشاعر تسير بمحاذاة الأفكار لا تتقدم واحدة منهما على الأخرى..التقيناها في "أنا زهرة" حملنا لها اسئلتنا فقدمت لنا أكثر من مجرد إجابات..

  • تميزت مقالاتك بالجمع بين التحليل العقلي والتعبير عن الشعور فنحن نستمع لغضبك واستياءك أو رضاك وإعجابك مثلما نسمع رأيك بعمق وبوجهة نظر مبينة على أمثلة أو براهين. هل تخططين للمقال ليخرج بهذه الطريقة؟
    اشعر كثيرا قبل أن اكتب، لا يطاوعني القلم إن لم تحركه أحاسيسي، بالفعل أنا أكتب بحبر دمي الذي يموج داخلي سواءا كان راقصا فرحا بين عروقي أو نافرا من شدة الغضب من ذات العروق، وفي الحالتين أنا اكتب بدم عروقي. كل ما أخطط له قبل كتابة المقال، هو أن اكتب نفسي وما اشعر به، وأشارك الآخرين بما أكتب، وأحاول أن أعرض قناعتي، تاركة للجميع مساحته في أن يقتنع أو يرفض. يحدث كثيرا أن يخبرني قارىء أو متابع أنه شاهد انفعالات وجهي وهو يقرأ كلماتي، أو تخبرني صديقة أنها سمعت صوت غضبي وهي تقرأ كلماتي؛ وعندما يحدث ذلك التأثير في قارئي اشعر بنجاحي. فالكتابة عندي هي الطريقة التي احيا بها وأعبر عن ذاتي من خلال الكلمات والجمل التي انتقيها لتكون أصدق ما يمكن أن يعبر عن أحاسيسي.

 

  • كيف تختارين موضوع مقالك؟ وماهي أصعب الأمور التي تواجهك في الكتابة؟
    أنا لا أختار ما سأكتبه، هو من يختارني، يستفزني ويحرك مشاعري ويحفز ذهني؛ ولأني في كل قطعة مما أكتبه، أكتب نفسي، أواجه صعوبة في كتابة زاويتي الأسبوعية، فأن تكشف نفسك بكل تفاصيلك أمام آخرين لا تعرفهم بينما هم يعرفون فرحك وحزنك، هو أمر صعب، فلدي قناعة دوما أني لا أحمل أي سر لنفسي. أما أكثر ما أواجهه من صعوبة هو ذلك الألم الذي يتملكني عندما أحاول وصف حزني وألمي، لذا أعتقد أن الكلام لغة الفرح والصمت لغة الحزن، أو على الأقل هذه صيغ الكلام عندي؛ كثيرا ما تمر علي أحساسيس يملأها الحزن والألم، ولكني اتردد كثيرا في كتابتها فتبوء محاولاتي في فعل ذلك بالفشل، فأحفرها في ذاكرتي بفعل الكتابة.

 

  • مالذي جعلك تختارين الصحافة كمجال لعملك؟
    دخلت الصحافة من باب البحث العملي، فقد عملت لمدة لأكثر من عشر سنوات في البحث السياسي فكتبت البحث والدراسة والمقال وأصدرت كتابين: "العالم امرأة.. مقالات في جدلية العلاقة بين المرأة والسياسة" "العالم امرأة،، رؤى في سير أحداث"، وكلاهما صدرا وأنا في مركز البحوث في صحيفة الاتحاد؛ ولأسباب إدارية تم إلغاء مركز البحوث في الإتحاد، فتحولت للعمل في صفحات وجهات نظر لمدة ثلاث سنوات، وتزامنا مع ذلك حضرت وأشرفت على دورات متخصصة في الكتابة الصحفية، وهي بمثابة دبلوم صحافي بالتعاون مع وكالة الانباء الفرنسية ورويتر طومسون؛ ثم تحولت فيما بعد للصحافة الإلكترونية فأصبحت منذ ثلاثة أعوام مدير النشر الإلكتروني لصحيفة الاتحاد.

 

  • نريد أن نسمع منك رأيا في الصحافة اليومية في الإمارات.. مالها وماعليها وماذا ينقصها برأيك؟
    لست أهلا لهذا التقييم، ولا أجد حولي للأسف من هم أهلا لذلك، فتجربتنا في الامارات رغم عمر الدولة مازلت بسيطة، ليس بسبب قصر المدة، وإنما بسبب قلة الكوادر. ولكن ورغم ذلك، هناك جانب جميل ومضيء في صحافتنا الإماراتية وهو ذلك الخليط العجيب من الجنسيات المتواجدة في الوسط الصحفي، التي اثرت بالتأكيد بتجاربها الخاصة التي نقلوها من دولهم إلى الإمارات. 

نحن من ننقص صحافتنا، صحافة الإمارات بلا إمارتيين -للأسف- وهذا وللأمانة ليس بسبب المؤسسات الصحفية فقط، إنما بسببب التفكير المادي الذي جعل الدافع لأي مهنة هو العائد المادي الذي ستقدمه، لا المنفعة الحقيقية التي سيجنيها الوطن؛ ليس هناك خريجين أو دارسين صحافة في كل مؤسساتنا التعليمية في الدولة، عدد قليل من الإناث من دخل التخصص، وغياب كامل للذكور، فكيف لنا أن نتحدث عن تجربة صحافية يصوغها صحافيون من كل جنسيات الأرض ما عدا الإماراتيين؟!

  • أين تضعين نفسك في السياسة.. قرأت لك مقالاً جميلاً عن أساتذتك في السياسة واتجاهاتهم بين اليسار واليمين فكيف أثر كل ذلك في طريقة تفكيرك، وهل تفكرين في إمتهانها؟
    بخصوص خوض السياسة فرأيي أنها مفسدة، ومهنة المصالح وترويضها، وهذا لا يليق بي أبدا، فأنا اجد نفسي ناشرة للحب والوئام والتفاهم والتقارب، أما المصالح المادية وتحريك الحياة لخدمتها هو أبعد ما يمكن أن اقترفه في حياتي؛ دراسة العلوم السياسية علمني الكثير عن الناس والأفكار والحياة، وفهم الشر والخير، قدم هذا العلم لي المنهج الذي انطلقت منه لفهم الحياة، أو هكذا أعتقد. فتكويني المنهجي وطبيعتي العملية يعود بسبب دراسة السياسية، وفي رأيي أن هذا هو فضل دراسة السياسية الأكبر علي.

 

  • حدثينا عن حياتك العائلية قليلا؟ خاصة وأن آخر الدراسات تشير إلى أن التحدي الأكبر للمرأة المعاصرة هو في إدارة الأسرة وليس العمل. فمارأيك بذلك؟
    أنا عزباء، أعيش مع والديّ الله يطول أعمارهم وشقيقتي التي تشاركني هواية القراءة؛ أجمل ساعاتنا العائلية في إجتماع الأحفاد (الله يحفظهم) وقد حضرت أغلب ولاداتهم، كبروا أمامي فارتبطت بهم كثيرا، أكبرهم راشد الذي أرى في عمره سنوات عملي في صحفية الاتحاد، فقد ولد وقت تعيني في الجريدة. التحدي الأكبر لكوني غير متزوجة كان عملي كفتاة في هذا الحقل بكل خلفيتي القبلية وقناعات مجتمعي الصغير والكبير؛ وقد استطعت تطويع هذا التحدي بجديتي التي اشتغلت عليها خلال السنوات الستة عشر الماضية، وكذلك زرع الثقة في محيط إسرتي الذي حصدت نتائجه ولله الحمد.

 سأسألك مجموعة من الأسئلة الخفيفة تتطلب إجابتها بضع كلمات:

  • ماهي الحكمة التي تؤمنين بها في حياتك؟
    دوام الحال من المحال

 

  • ماهو أصعب يوم مر عليك في حياتك ولماذا؟
    أي يوم أضطر فيه للحديث أمام جمهور، سبحان الله.. أتمنى من الله دوما أن ينتهي اليوم قبل أن يبدأ. لدي مشكلة من مواجهة الجمهور ولم أحاول ان اعالجها مبكرا في حياتي.

 

  • ماهو أجمل يوم في حياتك ولماذا؟
    كل الأيام جميلة ونعم الله تبهرني كل يوم، في نفسي وفي أهلي وفي وطني وفي سفراتي، وهذا جمال اشعر أحيانا كثيرة أنه أكثر مما أستحق. اللهم ادمها نعمة

 

  • مالذي يحزن السعد؟
    أحزن عندما يتصرف البشر خارج إنسانيتهم، وعندما لا يقدرون النعم، وعندما يمجدون ذواتهم وكأنهم هم من خلقوها.

 

  • مالذي يفرحها؟
    أفرح كثيرا لو إجتمعت هذه الأشياء: رواية جميلة تسحرني مع المطر والجو الغائم، أو أكلة لذيذة يرافقها ضحك الأصدقاء؛ أو كلام الأطفال مع أحضانهم، أو إجتماع إخوتي مع ذكريات الطفولة؛ أو البرد الشديد وحضن امي؛ أو اغنية زانها زايد في مسيرة شوارع للعيد الوطني.

 

  • ماهي أمنيتك التي لم تتحقق؟وهل مازالت ممكنة؟
    أمنيتي أن اكتب رواية، أحلم بهذا الأمر، والحقيقة أني كسولة، رغبتي الشديدة لم تقترن بالإرادة حتي الأن، ولكني سأفعلها يوما بإذن الله.

 

  • ما أول شيء تفعلينه لدى عودتك إلى الإمارات من السفر؟
    أتصل بأمي وأبي وأنا في الطائرة قبل أن اخرج من بابها، وأتأمل كل شبر خارج الطائرة مبهورة بهذا الوطن، سعيدة بكل ما فيه، حتي بختم الدخول على جواز سفري والشباب الاماراتيين العاملون في الجوازات.

 

  • من هي الكاتبة المرأة التي أثرت فيك؟ أو المرأة القدوة في حياتك؟
    أولا الدكتورة مريم لوتاة استاذة العلوم السياسية واستاذتي في جامعة الإمارات، ثانيا الدكتورة نادية مصطفي أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة؛ والكاتبة الصحفية أستاذة عائشة سلطان، جميعهن أثرن فيني، وساهمن بشكل أو بآخر في تكويني الانساني والفكري، وسأظل ممنونة لهن ما حييت.

 

  • رتبي الأمور التالية بحسب أولوياتك: العائلة، العمل، الأصدقاء، الكتابة، الصحة والاهتمام بنفسك
    الكتابة، العائلة، العمل، الاصدقاء، الصحة. ومؤخرا بدأت افكر جديا في صحتي.

 

  • خبرينا بموقف طريف أو مميز أو حتى مزعج مع أحد من القراء
    قرائي رائعون فهم يمدوني بالطاقة طوال الوقت، منهم من تحول إلى صديق قريب، ومنهم من كان عابرا سريعا ولكنه ترك بصمته. أكثر ما أعتبره طريفا أن أغلب قرائي -سابقا- قبل ان أرفق صورتي بمقالاتي، كانوا يعتقدون أني رجلا، فكثيرا ما كانوا يعتبروني السيد السعد، وخلال ردي على مراسلاتهم لهم لم احاول أن أصحح المعلومة وبصراحة كان هذا أفضل؛ فكتابة المرأة للشأن السياسي في مجتمعنا تعد ترفا لا يتعامل القارئ معه بجدية، وهو ما اكتسبته في تلك الفترة. وحدث أن انزعج قاريء مني بشدة وكتب رسالة مطولة كلها توبيخ أني خدعته بإخفاء جنسي عنه؛ وللآن لا اعرف أين المشكلة، أيهما أهم، الفكرة أم جنس صاحبها!

 

  • ماذا تكرهين في الصحافة؟ وماذا تحبين؟
    العمل في هذا الحقل منعش ومحفز طوال الوقت، لا روتين فيه، فيه تحدي طوال الوقت، فأنت في صراع مع نفسك لكي تجذبي القاريء، كما أننا فيه أصحاب رسالة وهدف علينا أن نحاول تحقيقه طوال الوقت بطرق مختلفة تتناسب وتطورات الإعلام، وهذا بحد ذاته نشاط يجعلك شابا طوال الوقت. أما الشق الآخر من سؤالك فلم أكن أنزعج مسبقا من أي شيء في هذا العمل، الآن أصبحت أنزعج من الإرهاق الجسدي وأوقات العمل الطويلة التي تسرقها الصحافة من أعمار العاملين فيها.

 

  • أحب الأماكن لقلبك في الإمارات؟ ولماذا؟
    آاااه يا وطني، أبوظبي داري، وعشقي مبزرة في مدينة العين؛ أحب بني ياس، والشارقة قصة ولعي، ودبي حالة انبهاري، ياااه ما أجمل هذا الوطن هو في قلبي بكل ذراته.