طارق الشناوي: "إن كنت ناسي أفكرك" ونظرية البرغوث

طارق الشناوي

  |   17 فبراير 2011

أتصوّر أنّ أقوى برنامج يمكن أن يشاهده الجمهور، ويشارك فيه النجوم أيضاً، ولن يتطلب لا تأجير استديو ولا دفع أجور للنجوم ولا نفقات إقامة، وفي الوقت عينه سوف يحقق أعلى درجات المشاهدة هو هذا البرنامج الذي نراه الآن على الفضائيات. إنه يحتاج فقط إلى أن نستعيد أرشيف النجوم ورجال الساسة لنرى كيف كانوا يتحدثون عن جمال وسوزان وعلاء وحسني مبارك، وكيف صاروا يتحدثون عنهم الآن!

المأزق الذي لم يدركه هؤلاء أنّه مع انتشار الفضائيات، صار التوثيق بالصوت والصورة متاحاً للجميع. وعلى مواقع النت، تستطيع بنقرة واحدة أن تمسك بالفنان أو الإعلامي أو السياسي الذي كان لا يتوقف عن كيل المديح للرئيس السابق، ثم صار يكيل له الشتائم ويلعنه ويلعن أيامه السوداء هو وولديه وزوجته وكل من ارتبط به بصلة قربى أو نسب!

كنت أشاهد فنانة في أعقاب المباراة الشهيرة بين مصر والجزائر الشهيرة بموقعة "أم درمان"، اعتقدت أن المطلوب أن تشتم الجزائر وتمتدح حسني مبارك. ولم تكتف تلك الفنانة بهذا القدر. أضافت من عندها أنّها عاشت سعيدة في عهد مبارك. وهي تؤكد أنها سوف تطمئن على أبنائها لأنّهم سوف يعيشون عصر جمال مبارك. هكذا لعب الوسط الفني المصري أسوأ الأدوار في الدفاع ليس فقط عن عصر مبارك، لكن أيضاً في التمهيد لابنه جمال. كنت واثقاً بأنّ هذه الفنانة لا تعبّر عن مشاعرها بل عن مصالحها. ولهذا بعدما تنحى مبارك وتأكدت أنه لن يعود إلى الكرسي مجدداً، كتبت على أحد المواقع الإلكترونية تقول له "كيف تستطيع أن تقابل ربنا في الآخرة ويداك ملوثتان باغتيال 300 شاب مصري"؟!

أغلب الفنانين وليس فقط النجوم، عرفوا أن الطريق الوحيد للدولة أن تمتدح الرئيس وتعلن موافقة مبكرة على التوريث. ولهذا كانوا يتسابقون إلى إعلان ذلك على الملأ في انتظار مكافأة النظام. الآن هم في أشد الحاجة للنفاق على الشباب الذين قادوا التظاهرات كي يغفروا لهم خطاياهم. هم يعلمون أن الجمهور الذي يذهب إلى السينما ويستمع إلى الأشرطة هم هؤلاء الشباب، و 80% من الذين يتعاملون مع الفنون بشغف واهتمام هم الشباب الذين يقطعون تذكرة لعرض ما، ويدفعون ثمن الكاسيت والـ C D. ولهذا هم حريصون على التواصل معهم!!

إنّ الرهان الآن الذي ينتظره الفنانون والإعلاميون وعدد لا بأس به من رجال السياسة أن ينسى الناس مواقفهم القديمة ويشاهدوهم في ثوبهم الجديد. إنهم صاروا مثل البراغيث في قفزاتهم من مكان إلى آخر. إذ ثبت أن قفزة البرغوث ـ لو قارناها بحجم الإنسان ـ توازي تخطي الإنسان بقفزة واحدة ناطحة سحاب. لكن كانت المفاجأة أنه قبل أن يغادروا موقعهم، كان المتظاهرون في ميدان التحرير يعلمون جيداً هؤلاء المنافقين الذين يريدون أن يرقصوا على كل الحبال!

ورغم كل ذلك، فأنا ضد أن نحكم على الفنان بمواقفه السياسية لكن بإبداعه الفني أولاً، رغم أنّ التجربة أثبتت أنه يستحيل أن ينعزل التقدير الفني عن المواقف السياسية، وخصوصاً تلك المصيرية مثل الموقف من الثورة المصرية!

أتذكر أنّ المخرج العالمي الراحل إيليا كازان كان في الخمسينيات أحد الأصوات في الوسط السينمائي التي كانت تشي بأسماء الفنانين الذين توجَّه لهم تهمة الشيوعية أثناء الحرب الباردة بين أميركا وروسيا وخلال زمن "المكارثية" نسبة إلى السيناتور الأميركي جوزيف مكارثي. سقطت المكارثية مع الزمن لكن الناس لم ينسوا أبداً أنّ بعض الفنانين كانوا من بين الواشين على زملائهم. ولهذا، عندما صعد إيليا كازان لاستلام جائزة تكريمه عن عطائه الفني قبل 12 عاماً على مسرح "كوداك" الذي يتم فيه إعلان جوائز الأوسكار، كانت الصالة تضج ليس بالتصفيق الذي كان يستحقه على مشواره، بل بالاستهجان لأنه كان يشي بزملائه لأن الذاكرة لم تنسَ!

يا ترى كم عدد النجوم الآن الذين سوف يستَقبلون بالاستهجان بسبب تناقضات مواقفهم من الهتاف لمبارك وابنه وزوجته وهو يحكم إلى الهتاف ضد مبارك والعائلة عندما سقط من سدة الحكم. يا ليت الفنانين يتأكدون بأنّهم بشر ولا يملكون القدرة على القفز مثل البراغيث!

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث