العالمة إلهام قطّان جعلت حلمها حقيقة

نوال العلي  |   29 يوليو 2010

لماذا اخترتني لتقابلينني؟" تتساءل إلهام قطّان، مردفةً "كل ما صنعته في حياتي مجرد أمور كانت حتمية بحكم طبيعة حياتي". إذن فعالمة الفيروسات الجزيئية و المتخصصة في أمراض الكبد الفيروسية والحاصلة على دكتوراة بتقدير عالٍ من لندن لا ترى أن مافعلته إلا مساراً طبيعياً لنوع الحياة التي عاشتها.

فمرد نجاح د.إلهام بنت طلعت بن محمود قطان كما تراه، هو إلى العائلة التي نشأت فيها بين أم وأب محبين للثافة والعلم، بالإضافة إلى سعة اطّلاعهما وعيشهما فترة في إيطاليا، يضاف إلى ذلك جذورها المختلطة فجدتّها إلى والدها لبنانية.


كانت قطّان قد التحقت بكلية الطب، ولكنّها لم تتمكن من الاستمرار "بعضنا يحلم بما هو أكبر من طاقته" تقول مضيفةً "لم أكن أمتلك القوة على احتمال دروس التشريح" لذلك قررت تغيير تخصصها من الجراحة إلى علم الفيروسات. ولكن حلم الطبيبة المتخصصة ظلّ يراودها، ونظراً لتفوقها في البكالوريوس قررّ والداها أن تذهب ابنتهما لتحصل على أفضل تعليم في أفضل الجامعات الأوروبية، وهكذا انتقلت قطّان للدراسة في جامعة لندن، حيث بقيت هناك 12 عاماً.
في لندن تغيرت شخصية قطّان كثيراً، عن تلك السنوات تبين "أعترف أن النظام البريطاني المحتلف عن كل أنظمة العالم حتى الأوروبية قد أثّر بي بقوة. وكان يثير إعجابي أنه ورغم كل هذه المدنية والتحضر يتمسك البريطانيون بعاداتهم وتقاليدهم القديمة". من الثقافة البريطانية تعلمت المقارعة بالحجج العلمية والهدوء وقبول الآخر واحترام الفردية والخصوصية في الوقت الذي تحترم فيه سياق المجتمع نفسه.


حين عادت قطّان إلى السعودية، لم تكن تشعر بالجفاء أو الانسلاخ كما كان متوقعاً. على العكس حاولت من خلال منصبها كأستاذة في الجامعة أن تقدم كل ما تلعمته لطالباتها. وتقول "لم أجد صعوبات أبداً حين عدت، تلقاني الجميع بالترحيب والاحترام وحصلت على وظيفة بسرعة". ولكنها تعتقد في الوقت نفسه أن سوق العمل بالنسبة للمرأة السعوديةيحتاج إلى منهجية لا بد أن توضع من قبل النظام الرسمي نفسه.فهذه هي المشكلة الرئيسية باعتقادها.
أمّا أصعب ما تواجهه المرأة السعودية الآن، فتعتقد قطّان أنّه يكمن في وجود كل هذه التيارات الفكرية التي تختلف وتتباين في النظر إلى المرأة كدور اجتماعي وثقافي موجود. فهناك تيارات منفتحة وأخرى متشددة وهذا قد يوقع المرأة في صراع داخلي ومجتمعي أيضاً. وخاصة بعد أن بدأت العولمة تؤثر بشكل حتمي على مسار حياة الشباب. وتجعلهم يحلمون بالتغيير.


من جهة أخرى ترى قطّان أن وضع المرأة السعودية من حيث تواجدها في الحياة العامة بات مختلفاً كثيراً، وتؤكد أن التغييرات الإيجابية قادمة لا محالة وكل ما هنالك أنّها تحتاج للمزيد من الصبر. وفتح الحوار بين الشباب وقادة المجتمع لكي يعبر هذا الجيل عن توجهاته ويفصح عن أحلامه ويتعلم الجدل والاتفاق والاختلاف.
قطّان تفكر بصوت عال دائماً، لهذا لم تتردد في التحليق في عالم الكتابة والإبداع، فألفّت العديد من الكتب الأدبية والفكرية والعلمية. ومنها "خواطر غربه"، و "لغز البروتيوم"، "ماذا يريد الغرب من المرأة السعودية"، "العولمة الغربية"، "تحديات العصر"، "المناظرات العلمية".

 

كما تعمل حالياً على التحضير لنشر كتاب عن الفيروسات بين العلم و الواقع. وكذلك لم تتوقف قطّان عند الإنجاز الشخصي في حياتها كامرأة ناجحة، ولا كأستاذة جامعة مميزة. بل فكرت في المجتمع الذي تنتمي إليه فتقدمت بثلاثة مقترحات لوزارة التعليم العالي: الأول هو إنشاء مراكز و بائية متحركة عند بوابة الحرمين في عام 2007، ثم مقترح إنشاء قسم للمتابعة الإنسانية و التدقيق و التوجيه للمبتعثين في 2009. و المقترح الأخير هو مشروع إنشاء كلية العلوم الجزيئية.


ومن الجميل والباعث على الأمل أن هذه الجهود لم تذهب سدى.. فقد لقيت الباحثة التي تعمل بصمت، كل التقدير من كافة المؤسسات الرسمية السعودية والبريطانية. فقد منحتها جامعة لندن شهادة تقدير للتميز في العمل. وأصبحت علماً بارزاً أينما حلّت في مؤتمر يخصّ العلم الذي تفني وقتها في التمحص فيه، وتعتبره دليلاً قوياً على الإعجاز، فهي لم تكن تتصور أبداً أن تلك الكائنات الصغيرة ستكون مدار اهتمامها وأنّ التفاصيل المتناهية في الصغر جوهر أساسي لتغيير الحياة والحصول على الهدوء النفسي والاجتماعي.  سارت حياة إلهام قطّان كما أحبت وكما عاشت امرأة محظوظة جعلت من أحلامها واقعاً. .