رجل المواقف

د. عبدالله الغذامي  |   30 نوفمبر 2018

هو رجل إنجليزي من برايتون كنت أراه كلما تجولت في وسط المدينة، يمشي وحده بلباس كامل الرسمية ومعه عصا يبدو أنها من لزوم المظهر، وليست للحاجة، وليست له أوقات محددة، فكنت أراه في الصباح مثلما أراه في المساء، ولم أره قط في مطعم ولا مقهى ولا متجر، وإنما يظل ماشياً، أو جالساً على كرسي عام وتعرفه كل شوارع وسط البلد وميادينها ماشياً أو متأملاً للبشر وهو متربع على أحد الكراسي وكأنما يكتب في ذهنه نصاً مسرحياً أو ربما يعد تقريراً رسمياً عن وجوه البشر وحركاتهم، وقد يتكلم أحياناً بتعليق قصير، أو إجابة عن سؤال لسائح أو سائحة تسأل عن مكان ما.
وظلت تلك صورته أمامي إلى أن حدث مرة أن كنت واقفاً في موقف الحافلة أنتظر الباص للعودة لمنزلي، وكان الوقت قرب الخامسة مساء، حيث ساعة الذروة والزحام، وقد تكدس الناس حول الموقف، كلٌّ ينتظر باصه المخصص، وطال عليّ انتظار حافلتي وتأخرت كثيراً بينما البشر من حولي يتحركون موجات موجات، وكلما جاءت حافلة تحركت موجة وبقي آخرون كما أنا باقٍ في انتظار الباص رقم 7 ولكنه مازال يعاند انتظاري، وبان عليّ التعب من طول الوقوف حتى لمحت كرسياً غادرته صاحبته فقفزت في اتجاهه، وهنا لمحت صاحبي جالساً على الكرسي بجانبي، ثم جاء الحديث تلقائياً بعد أن جهرت بالتشكي من تأخر حافلتي فقال الرجل: «كل الناس عند هذا الوقت يجرون إلى بيوتهم إلا أنا… أنا لا أحب العودة للبيت ويضيق صدري عند الخامسة مساءً حيث تبدأ الحركة تتجه للرحيل من الشوارع إلى مواقف الباصات، كلٌّ يريد بيته، ولكني لا أريد بيتي، والناس يحبون بيوتهم ويحبون التلفزيون لأنهم يشاهدون الأخبار والمباريات، لكني لا أحب الأخبار ولا المباريات، ولذا فتلفزيوني مغلق من سنين، وليس في بيتي حركة ولا أصوات، لذا أخرج للشوارع لسماع الأصوات والفرجة على الحركات، وعودتي عند الساعة الخامسة تحرمني من متعتي اليومية وتعيدني للبيت، ولكنني صرت أتنقل بين مواقف الباصات، أتنقل بين الكراسي، والناس يمرون من عندي حاملين أتعاب يوم شاق من العمل، في حين أن مشقتي الوحيدة هي فكرة أن لي بيتاً تلزمني العودة إليه، وأنا أحاول تأجيل هذه العودة، وإذا عدت فلكي أعد الوقت ثانية ثانية منتظراً شروق الشمس لكي أبادر إلى أول موقف باص وأجلس على الكرسي أتفرج على الناس وهي تركض كي يدركوا عملهم، ولكن وقفة الصباح تختلف عن وقفة المساء، فالصباح هو البداية لي. أما المساء فكما تراني الآن…عند هذه اللحظة جاءت حافلتي وودعت رجل المواقف، ولما تزل صورته في ذهني مذ آخر مرة رأيته عام 2005.