صداقة للعمر

د. عائشة بنت بطي بن بشر

  |   11 يناير 2019

غرسة سعادة لا مثيل لها نبتت أيام الطفولة، ونمت حتى يومنا هذا وازدادت المعاني المرتبطة بها جمالاً وألقاً يوماً بعد يوم. سطوري هذه المرة ولدت من لحظة بسيطة جداً، اجتمعت فيها أنا وشقيقاتي في مقهى صغير نتبادل أحاديث بسيطة، ونضع في قهوتنا قطعاً من سكّر الحديث الذي يعود بنا لبيتنا الذي تربينا فيه، هي جلسة احتفظنا بها كتحفة للزمن وغلفناها بحب لا يشبهه آخر حُبّ، علمنا إياه والدي، رحمه الله، وتضعه أمي في دلّة قهوتنا حتى الآن. هذه التحفة هي صداقة للعمر، هي صداقة الشقيقات بأحاديثهن ذاتها التي قد تكون مكررة، ولكنها تُضحكنا كل مرّة أكثر من سابقتها.
أكتب سطوري من أحد أيام إجازتي السنوية الأخيرة التي اختتمت بها 2018 في مدينة نيويورك، وهي مختلفة بمن احتضنتهن... الشقيقات الصديقات، وبمجرد عودتي لغرفة الفندق بعد يوم حافل بطقوس الشقيقات، عادت بي الذاكرة عندما كنّا طفلات نتقمص الشخصيات ونلعب أدواراً تُشبه محيطنا ونتخيّل اللحظات التي نكبر فيها، وها نحن كبرنا وكبرت مسؤولياتنا وازدحمت أيامنا بالتفاصيل، لكن أكثر ما يشدنا فيها هو (يمعتنا) حول مائدة تضمنا، وأكواب الشاي والقهوة التي تمتلئ بأحاديثنا وننسى أنّها فارغة لأن لحظاتنا مليئة بالذكريات.
طوق نجاتنا من ازدحام أيامنا وضجّتها، ليس بعيداً عنّا غالباً وهو في متناول أيدينا. وكل ما يتطلبه هو أن نعكس طقوس الطفولة عندما كنّا نتقمص شخصيات الكبار، ونرتدي الحذاء ذا الكعب العالي لنصبح أطول بسنتيمترات قليلة، وهذه المرة نتقمص شخصية طفولتنا التي كانت مزدحمة بالمتعة والضحكات والاحتجاج على ترتيب دورنا في لعبة ما. هل تذكرون لعبة (الحوّيم) تلك التي نرسم فيها مربعات على الأرض، ونقفز من مربّع إلى آخر، ولعبة (الصقْلَه) بالصدف، ولعبة (ميّت) التي تشبه لعبة (فريز) الأجنبية، والقائمة تطول وتختلف أسماء الألعاب من بلد إلى آخر ولكن المشترك بينها ضحكاتنا.
هذه المرة في نيويورك، استبدلنا الألعاب السابقة بطقوس بسيطة أخرى، ولكننا حافظنا على أهم ما كان يميّز أيامنا الطفولية وهو الرغبة بحديث لا ينتهي، وألا نعود للبيت قبل أن يجبرنا التعب على ذلك وحبّ الشقيقات. رحلتنا كانت حافلة بكثير من المشي وأباريق لا تنفد حول ذكريات جميلة جمعتنا، وممارسة هواية انتقلت لنا من والدي وهي حبّ استكشاف المدينة بأدق تفاصيلها كطفلات يزرن مكاناً ما للمرة الأولى رغم أننا زرنا نيويورك وغيرها مرّات كثيرة.
دخل العام الجديد وقد بدأناه بكثير من التفاؤل والرغبة العميقة بسعادة لا تنتهي، وبينما أتمنى لكم عاماً جديداً سعيداً أدعوكم لممارسة لعبة تقمّص الأدوار، ولكن هذه المرة معكوسة. ابحثوا في طفولتكم عن لحظات كان شغلكم الشاغل فيها، الضحك والقهقهة الطفولية فهو كل ما نحتاجه لإنعاش قلوبنا، ولاسترجاع اللحظات بكل ما فيها، نحتاج شركاء الطفولة محترفي المرح مع سبق الإصرار والترصّد. فلنحتفل بصداقة العمر لنرى كم جميلة أيامنا.

نبيذ اللحظة الأخيرة سوفونيسبا وسيفاكس

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث