نكذب ولسنا بكاذبين

كريم معتوق

  |   12 يوليو 2019

لا يختلف اثنان على أن الكذب، سواء كان عادة أم سلوكاً أم تحت أي مسمى، هو من الصفات المعيبة في الإنسان إن وجدت، فلا أسوأ من أن يقال عن شخص أنت كاذب، فهو تصرف مشين يكون في أقسى حالاته في المحاكم، ويكون في أهون حالاته بين الزوجين.
ولكن الكذب يرتدي ثوباً آخر، فلا يصبح بالسوء ذاته الذي نعرفه، على الرغم من أن الآلية ذاتها، والسلوك ذاته، ولكنه محمود ومحبب ويحثنا عليه السلوك الاجتماعي، فهناك من يسميه جبر خواطر، وهي وصف محبب للكذب في أحيان كثيرة منه، وهناك من يسميه مجاملة، وهناك بالطبع الدبلوماسية.
وهو سلوك فرضه المجتمع المتحضر، الذي يحث على مراعاة المشاعر عند الآخرين، ولتأمين مساحة أكبر من السلام والأمن الاجتماعي في المجتمع، فالكذب المحبب والصدق، أشبه ما يكون بين الابتسامة والتجهم أو التبرم في قول إيليا أبو ماضي:
أتراك تغنم بالتبرم درهماً      أم أنت تخسر بالبشاشة مغنماً
ومن هذي الحالات التي هي في واقعها كذب، وفي وصفها حالة إنسانية أو سلوك اجتماعي متحضر، هي المجاملة في الحديث، فكثيراً ما نلتقي من يرتدي ملابس عجيبة لا يمكن أن نلبسها لأسباب عدة، إما للونها أو شكلها أو سعرها، ولكننا حين نرى أحداً يرتديها، نبدي إعجابنا بها، وهناك من يبالغ بإعجابه حسب العلاقة من الشخص الآخر، والكثير منا يبدون آراءهم الحقيقية بعد مغادرة صاحب الملابس العجيبة.
وينطبق هذا المثال على الكثير من سلوكياتنا، فكثيراً ما نلتقي من لا نتفق معهم فكرياً، فنكذب ولا نشير إلى خلافنا، ومع اقتراب فترة الصيف والسفر، كثيراً ما نسمع من يمدح بلداً معيناً للسياحة، ونحن نعرفه تماماً بأنه ليس كما يصفه صاحبنا، فربما يكون دافعه للسفر هو الرخص في السكن والمعيشة، ولكنه يجعل هذا البلد الفردوس المقصود، فنجد أنفسنا نكذب ونشيد بتلك الدولة، على الرغم من أننا لا نفكر في الذهاب لها حتى لو كان مجاناً.
هناك من يقول يجب أن نجبر بخاطره، وهذا أمر محبب في واقع الأمر، لأننا لا نكسب شيئاً حين نظهر العيب فيما لا نحب، عند من يحب شخصاً هذا الشيء، فنحن نكذب ونحن بكامل قوانا الإدراكية، ولكننا لا نشعر بخجل كما يشعر الكاذب، ونرضي الآخر حتى وإن كنا سنقول في غيابه خلاف ما قلناه له، إنها عملية جبر للخاطر وكذب أبيض، أو دبلوماسية الحوار، بحثاً عن الوفاق مع الآخر، وأهم ما في الأمر أن لا أحد ينعتنا بالكاذبين رغم كذبنا.

شـعر

فدعيني، كذبةً أخرى أطال اللهُ في عُمركِ

وَهْيَ ما كانتْ معي يوماً كلحنٍ

لو أكذبها الآن دعيني..

أبداً ما مرَّ في بالِ وترْ

فأنا لا أشتهي ضحكتها الأعذبَ

بأن السقفَ لا يشهدُ دمعي

من ماء المطرْ

وأنا أرصدُ (بروازاً) على الحائط

وأنا لا أفتدي طلعتَها الحبلى

مصلوب الأثرْ

بأقمارِ السماواتِ وإطلالِ الثمرْ

ألف سبحانَ الذي أوجدَ بحراً من بَشرْ

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث