نفض الغبار

د. عائشة بنت بطي بن بشر  |   27 سبتمبر 2019

في زوايا «السوشيال ميديا» مترامية الأطراف، والمزدحمة بالصور و«البوستات» والحِكَم، تقع عيني من وقت لآخر على صور تجعلني أفكّر بعمق في تجارب وسلوكيات بسيطة موجودة حولنا، لكننا لم نعُد نستمتع بها كما يجب. أكتب هذه الرمسة وتعلو وجهي ابتسامة تزورني عندما يبستم قلبي قبل وجهي، الصورة كانت لفرس نهر بدا مستمتعاً جدّاً بالتثاؤب، بينما يستلقي في بحيرة تبدو منعشة! كثيرون منّا ينامون من دون أن يناموا حقّاً، ويخرجون لقضاء الوقت مع الأهل والأصدقاء ولكنّ عقولهم حبيسة شاشة «لابتوب» أو هاتف ذكي. لذا فكّرت هل كثيرٌ من تفاصيل حياتنا يعلوها غُبار، وحان الوقت أن نضعها في قائمة ونفكّر كيف تحدث حالياً والطريقة الطبيعية التي يجب أن تكون عليها؟
هنا لا أريد من قارئ سطوري أن ينطلق باحثاً على الإنترنت عن عدد الساعات الأفضل للنوم، ليحاول تعديل ساعات نومه ونحوها من الأمور، ولكن أتحدّث هنا عن مظاهر أخرى عديدة، مثل عاداتنا في أخذ مساحة ولو بسيطة لتناول الطعام. أتحدّى من يقرأ الرمسة الآن أنّه في كثير من الأحيان يتناول غداءه في زحمة أيامه، كأنّه أخذ وجبة شخص آخر ويخاف أن يُفتضح أمره. هي أمور اعتدناها وتبدو عادية وجزءاً من الروتين، لكنّ تكرارها سبب رئيسي في حالة عدم الرضا التي يعيشها كثيرون منّا من دون أن يعلموا.
تزدحم الصالات الرياضية بمن يتدربون، ولكن قلّة عادة ما يشعرون بتأثير الرياضة في حياتهم، وذلك لأن النادي الرياضي (الجيم) موجود على جداولهم وفي مفكراتهم، ولكن اهتماماتهم في مكان آخر مع مشاغل الحياة. هنا لا أطلق أحكاماً، ولكن أردت أن أذكّر نفسي قبل غيري بأن نحاول الاستمتاع بكلّ ما نفعله. وإن راودتنا الشكوك هل نحن مستمتعون أم لا، فلماذا لا ننفض الغُبار عن الموقف ونُمعن النظر؟
هذه الرمسة ليست دعوة للتوقّف عن أداء ما اعتدناه، وليس دعوة لاقتناء عدسة مكبّرة والبحث عن كلّ ما يُزعجنا ويقلقنا، ولكن ما أقترحه هو تحديد موعد للتعارف مع يومنا من جديد، وكأننا نعيش أوّل يومٍ في حياتنا كبالغين ناضجين. صافحوا كل لحظة في أيامكم بحرارة وتمعّنوا بالتفاصيل واسألوا لماذا أقوم بهذا الأمر بهذه الصورة؟
سنكتشف أن كثيراً مما ازدحمت به أيامنا كان يجب أن يكون لقاءً عابراً لا يتجاوز مرحلة التحية وتبادل السلام. شخصيّاً لديّ كثير مما يجب نفض الغبار عنه، هناك في زاوية ما غابت عن نظري، ولكن لدي أكثر من الطاقة الإيجابية والعادات التي غيّرت حياتي للأبد، وجعلتني ما أنا عليه الآن. فهل نحن متفقون على نفض الغبار أينما لزم؟