في أول شبابك وحصلت على عرض عمل من شركتين في قسم خدمة العملاء، مع امتيازات متشابهة من حيث الأجر وساعات العمل، وودّعك موظف قسم التوظيف في «شركة الحظ السعيد» قائلاً: نأمل أن تنضم إلينا، ولن تندم. 

أما موظف التوظيف لدى «شركة الوعي اللا محدود»، فقد تنحّى بك جانباً قائلاً: اسمع، سأكون صريحاً معك، فالعمل معنا مسؤولية، والوظيفة تكليف وليست تشريفاً، ورئيس قسم خدمة العملاء يُحاسب على التفاصيل، ولا يتوانى عن استدعاء موظفيه أيام الإجازات.

فقلت له بامتنان: أنا في أول عمري، وسأعطي كل وقتي للشركة. 

فقال وهو يقترب أكثر: اسمع، طبيعة عملك تحتاج إلى الصبر مع العملاء، فهم على صواب دائماً. 

فقلت بحياد: أنا أعشق التحدي، وسأعطي العملاء كل الاهتمام. 

فقال وقد ألصق وجهه بوجهك: اسمع، شركتنا لا تهضم حقوق أحد، 

لكن يحدث تأخير في الرواتب أحياناً، فالسوق متقلبة كما تعرف. 

فقلت بنوع من القلق: أنا لا أعيل أحداً، وسأتفهّم موقف الشركة دائماً. 

فقال وهو يتلفت يميناً ويساراً: اسمع، مدير الشركة شخص متحكّم، وأحمق قليلاً، ويعاملنا كأننا أولاد. 

فقلت وأنت تتراجع إلى الوراء:  سأعتبره مثل أبي.

فقال وهو يرفع سبابته: اسمع، بيئة العمل طاردة، الكل يتسلق على الكل، والكل يحفر للكل. 

وأضاف وقد رآك تبتلع ريقك: قد تندم إذا قبلت هذه الوظيفة ولم تكن على استعداد لتحمّل كافة مهامها ومسؤولياتها والتزاماتها ونتائجها وآثارها وتداعياتها وتبعاتها!

وهكذا يفعل داعية الوعي مع المقبل على الزواج، يأخذه على جنب و«ينزل عليه» بمفهوم الشراكة الزوجية، وأسس الأسرة السعيدة، وأهمية الحوار، ومراعاة المشاعر، والمسؤوليات، والأعباء، والأبوة والأمومة، والتربية، والتنشئة، والقدرة على العطاء، والبذل، والتضحية.  

ولا بد من الوعي لكل مقبلٍ على الزواج، لكن ليس كوعي العمل في «شركة الوعي اللا محدود»، فرغم أن الزواج رباط مقدّس، والإنجاب مسؤولية كبيرة، فالوعي الشامل بهما يأتي بتدرّج، وبما يناسب كل مرحلة، وعند الاقتضاء، بحيث لا يشعر المقبل على الزواج بأنه سيندم إذا تزوّج.

 

أحمد الأميري