حتى الأمس البعيد كانت الجزيرة الحمراء أو «جزيرة الزعاب» التي تقع في إمارة رأس الخيمة، من المناطق المأهولة بالسكان والتي تنبض بالحياة ليل نهار، فقد عاش سكانها على التجارة والصيد خاصة اللؤلؤ. وعلى الرغم من أن أهل الجزيرة وسكانها هجروها وانتقلوا إلى مباني حديثة بالقرب منها أو في إمارات أخرى، إلا أنها ظلت صامدة شامخة تعبر عن أمجاد ساكنيها في صمت. «زهرة الخليج» زارت الجزيرة والتقت ساكنيها الأوائل، بعد مبادرة الحكومة الاتحادية، لترميم المناطق التراثية بالدولة ومنها الجزيرة الحمراء، التي بقي فيها القليل من البيوت والكثير من الذكريات، التي تعد شاهدة على أصالة وتاريخ المنطقة، لتتحول الجزيرة الحمراء إلى قرية تراثية، وإحدى أهم مناطق الجذب السياحي بالإمارات في المستقبل القريب.

رحلة عبر الزمن
في رحلة عبر الزمن رافق باحث التاريخ أحمد سعيد الزعابي فريق «زهرة الخليج» إلى الجزيرة الحمراء، التي ينتاب زائرها للوهلة الأولى شعوراً بالراحة والحنين إلى الماضي، وتخيل حياة الأجداد ومشاهدة بساطة البيوت وحتى بقايا الألعاب الشعبية الخاصة بالأطفال المتناثرة هنا وهناك. يقول الزعابي: «سميت الجزيرة الحمراء بهذا الاسم نظراً لتربتها الخصبة حمراء اللون، كما اشتهرت بمبانيها التقليدية التي استخدمت فيها الحجارة المرجانية، وتعتبر الفخاريات والخرز والشباك والأدوات المصنوعة من الصوان الموجودة في المنطقة إلى الآن، دليلاً على إرث الجزيرة التراثي».

منزل الحاكم
بمشاعر ممزوجة من الدهشة والفخر والحنين، وكأن الزمن قد توقف هناك ونحن نتجول مع باحث التراث أحمد الزعابي أمام حصن الجزيرة الحمراء، تارة لمشاهدة منزل الحاكم وهو مبنى كبير مكون من دورين، وله برج دائري ضخم، كما يطل المنزل على مصلى كبير كان يجمع أهالي المنطقة في أوقات الصلاة، وتارة لمشاهدة برج الجزيرة الحمراء الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر الميلادي، فضلاً عن أقدم المساجد في المنطقة وأشهرها (مسجد عائشة بنت عبيد الصميخ)، وهو المسجد الوحيد الذي يوجد بالقرب من منطقة السوق، وما يميز المسجد أن مئذنته بنيت بشكل مخروطي ومنفرد في نمط بنيان لم يكن شائعاً آنذاك في الخليج.

ذكريات
لا يزال كبار مواطني سكان الجزيرة الحمراء على تواصل وترابط فيما بينهم، وكأن الزمن لم يتقدم بهم، فهم «عِشرة عمر» طويلة، مر بهم الكثير من الحكايات والذكريات.
يقول الوالد علي أحمد الزعابي، الذي كان يعمل في وزارة التربية والتعليم من (فريج الميان)، إن الجزيرة كانت تتكون من ثلاثة فرجان (المناخ والغربي والميان) إلى أن انتقل معظم السكان إلى البيوت الشعبية الحديثة، التي بنتها لهم الدولة بالقرب من الجزيرة الحمراء، وتركوا الجزيرة والبيوت (المدر) المبنية من الحجارة والجص، فانقسم المكان إلى الجزيرة الحمراء القديمة التي هجرها السكان، والجزيرة الحمراء الجديدة التي ما زال بها بعض السكان إلى الآن. بدوره، يقول الوالد سلطان الزعابي الذي ارتسمت على جبهته تجاعيد الزمن، التي تروي لنا قصصاً من الكفاح وتحدي صعوبة الحياة في ذلك الوقت، ولا يزال يعمل في مهنة الصيد إلى الآن على الرغم من تقدمه في العمر: «الإنسان لا بد أن يعمل ما دام قادراً على ذلك حتى آخر يوم في حياته. وعلى الرغم من بساطة الحياة في الجزيرة، إلا أنها شهدت حكايات من الكفاح لقاطنيها، الذين عملوا في مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ والتجارة، وفي أيام الصيف كان سكان الجزيرة ينتقلون إلى مناطق الفحلين وخت، نظراً إلى ارتفاع درجة الحرارة، ويعودون للجزيرة مرة أخرى في الخريف والشتاء للغوص بحثاً عن اللؤلؤ». يسترجع الوالد سلطان تلك الأيام قائلاً: «كان هناك شح في المراكز الطبية والمرافق، لذا كان العلاج قديماً من خلال استخدام الطب الشعبي، وعلى الرغم من ذلك كانت الأمراض أقل بكثير من يومنا الحالي، وكنا نحصل على الماء للشرب وطهو الطعام والغسل من خلال الآبار، ويتم توزيع الماء على المنازل بحمله على ظهور الحمير». أما ذكريات الوالد راشد بن عبد الله الماجد الزعابي، الذي امتهن صيد اللؤلؤ من (فريج المناخ) مع بيت التاجر عبد الكريم محمد رسول، أشهر تجار المنطقة في ذلك الوقت فيقول: «كان (دكان التاجر عبد الكريم) يبيع المنتجات التي تأتي من خارج الإمارات، كما كان يقدم خدمات مصرفية لحفظ الأموال التي يأتي بها من يسافرون للعمل خارج الدولة، وانتقلت عائلة التاجر إلى دبي، عندما هاجر سكان الجزيرة وإلى الآن لا يزال المنزل محتفظاً بقوته ويستخدم أيضاً لتصوير بعض المسلسلات التلفزيونية القديمة».

منزل التاجر
خلال الجولة، كان منزل التاجر عبد الكريم محمد رسول رابضاً في المنطقة التراثية، كأحد أشهر معالم الجزيرة الحمراء، يقول عنه الزعابي: «بيت الوالد عبد الكريم من أجمل وأفخم البيوت في الجزيرة، ويتألف من طابقين في الوقت الذي لا تصل فيه إلى هذا الارتفاع بقية البيوت، فالبيت به (برجولات خاصة) للتهوية وهي قناة هوائية واحدة على الأقل ويزداد عددها اعتماداً على سعة المنزل وعدد الغرف والقدرة المالية لصاحب المنزل، وتم بناء السقف باستخدام أخشاب الجندل والبامبو».

أبنية مرجانية
عبق التراث لا يزال يسود المكان رغم أن سكانها هجروها ورحلوا عنها، فما زلنا نشاهد المنازل القديمة والأسواق، فضلاً عن أقدم مسجد وبيت عبد الله بن حسن أحمد الزعابي، الذي يطل على مصلى العيد في دلالة على الترابط الذي كان يسود المنطقة. كما تضم الجزيرة الحمراء أبنية قوية مميزة على الرغم من مرور السنين ما زالت صامدة، ويقول الزعابي: «أهم ما يميز الأبنية في الجزيرة الحمراء، أنها مصنوعة من الحجارة المرجانية والصدفية ومغطاة بالطين الأحمر والجص، وهذه الابنية قوية جداً بدليل أنها لا تزال قائمة منذ مئات السنين إلى الآن، وتحتوي على عوازل حرارية لأن مكوناتها طبيعية تعمل عازلاً طبيعياً للحرارة لحماية السكان من درجات الحرارة المرتفعة خاصة في فصل الصيف».