يقول المثل الإنجليزي (عيناه أكبر من بطنه)، وذلك حينما يملأ المرء صحنه ثم يعجز عن أكله كله، والواقع أن العين هي التي تتسوق وتزود الذهن بصور تغريه بالشراء والأكل، ولقد قامت نظريات التسويق على جعل التسوق معرضاً فنياً فائق المهنية، بجعل البضاعة مغرية عبر صورتها التفاعلية مع الذهن، بحيث تشتري أشياء عندك مثيل لها أو لا تحتاجها حقاً، ولكن طرق عرضها تحفز عينك لتبعث بصور لذهنك، تجعل الصوة الماثلة تلغي الصور المختزنة، فيقوم الذهن بإحلال الجديدة محل القديمة، وتندفع تبعاً لذلك لشراء الصورة المغرية أمامك.
يتفنن عارضو الملابس والأطعمة والحلويات بوضعها في طريق تسوقك، حتى في الممر الضيق قبل ماكينة الدفع، وسترى قطعاً صغيرة عليها سعر صغير ليصطاد عينك وأنت في حال انتظار دورك، فتأخذ ما لم تكن تفكر فيه أصلاً، وكل أحد منا يكتشف دوماً أن لديه ملابس مكررة، لا تختلف عن بعضها إلا بحركات فنية ربما بسيطة، لكنها تملك قدرة خارقة على جعلك تظنها أحسن مما عندك، وكل ملبس سنرى له تاريخاً متصلاً من التغييرات البسيطة، ينسخ بعضها بعضاً وهي لمنتج واحد، ولغرض واحد، ولكن يختلف سعرها ليكون الجديد أغلى من سابقه، ونظل نخضع لهذه التفاعلية البصرية من دون أن نمارس أي درجة من التعقل والتفكر ضد الإغراء التسويقي، ويمر الواحد منا بمعركة ذوقية وذهنية كلما دخل متجراً كبيراً، ويظل يروح ويجيء بين الممرات إلى أن يقع في المصيدة.
تلك قوة سحرية تلعبها الصورة على الذهن، حتى لتتغلب على أي مهارة عقلانية أو خبرات تسوقية، على أن ثقافة الصورة تعلمت مع منظريها لتصبح قوة ضاربة بدءاً من التسوق إلى صناعة الأثر النفسي والسياسي والاقتصادي، وهذا ما تفعله وسائل التواصل الحديثة في توظيفها المرعب للصورة، حتى لتجعل غير المفكر فيه يتحول إلى شرط معاشي وسلوكي وأساس لكل أنواع العلاقات البشرية، وهذا يفسر لنا تغلب الطعام على تصوراتنا، حتى لتكون عيوننا أكبر من عقولنا ونأكل ما يضرنا صحياً ومادياً رغم معرفتنا العقلية بضرره.
وبمثل ما نخزن من اللباس ما لا نحتاجه، ومن الطعام ما يضيق به الجسد، فإننا أيضاً ننساق مع الصور لنصدق ما لا يصدق، ونكذب ما لا يكذب.