يحدثُ أن تفيق على يدٍ تترك خدّك أحمر، ثم تمضي. يد الزمن؟ يد الحبيب؟ يد الصديق؟ يد الحلم؟ أو لعلها.. يدكَ أنت! أيّاً كانت اليد، لا بد أن تفيق الآن، فقد غرقتَ في سُباتك بما فيه الكفاية.
لكأنّ كلماتها ترنّ في أذنيّ الآن، تقول على الدوام: حبيبي منْ بكّاني وبكى عليّ، لا من ضحّكني وضحك عليّ. تردد أمي هذه الكلمات كلما عدتُ إليها شاكية من مواقف الطفولة الطريّة، تلك التي كانت صفعاتها أشبه بمعانقة النسيم، تخيط ملابسنا لنكبر من دون أن تعيّرنا بالثقوب ومُزَقِ النّسيج جرّاء التجربة. كنتُ أعترضُ، أريد أن أضحك لا أبكي! ولم أفهم كيف يمكن للبكاء أن يكون طيّباً. ما الداعي لأن نبكي معاً؟! لم لا نضحكُ جميعاً وكفى!
ابتداءً بالنار التي لسعتني فأحرقتني، بالإبرة التي غُرزتْ في إصبعي فأوجعتني، بالمعلمة التي علمتني فعاقبتني، بالقطة التي حضنتها فخرمشتني، بالصديقة التي أحببتها فخاصمتني، بالحبيب الذي أردتُه فهجرني، بكل هذه التجارب التي علمتني أن البكاء يشفي، يطهّر، يصقل، يقوّي، يغير.. ولا يفعل الضحك إلا أن يغلّف نتيجة كل ذلك بغلالة الانتصار الذي يجيء في وقته دائماً، لا متأخراً ولا مبكراً.
تتعرف إلى ملمس اليد، يدكَ أيضاً تشبهها، يدكَ تصفعُ أيضاً، ولعلكَ فعلتَ الأمر ذاته لشخصٍ آخر، تتذكّر الآن دمعته على خده، الكلمات التي قلتها في حقه، موقفك، نادمٌ حانقٌ واثقٌ غير مكترثٍ متعجّبٌ مطمئن، إننا - بطريقة أو بأخرى - نتبادل الصفعات يا قارئي العزيز!
ولكن، من أين يجب أن تأتي الصفعات؟ وهل ندير الخد لكل يدٍ عابرةٍ ثم ننتظر! النعمةُ تحدثُ عندما نجوع إليها فنحتاجها، نسميّها باسمها، نعرفها عندما نراها - لا حاجة لمن يقدّمها لنا - في لحظةٍ من الضياع والتشتت، أو الزهو الكلّي، تأتينا هذه الصفعة لتوقظنا، وما يحدثُ تالياً لنا هو النضج. نضج الحقيقة عندما نعيد قراءتنا وفق أبجدية كنا نتمنّع عن تعلُّمِها بدعوى الاكتفاء. في الحياة، لا اكتفاء.. في الحياة تجَدُّد، كتجدُّدِ الخلايا التي ستتقشّر عن خدّك الأحمر الذي سيستعيد لونه بعد أنْ تتعلم الدرس، ثم تبتسم. سواءً قَبّلت اليد التي صفعتك أم أنكرت عليها ذلك - صدّقني - فأنتَ إنسانٌ محظوظٌ!