يقول ريموند دورجنات: «الموجة الفنية مثل الأعمال الفنية التي تتألف منها. ليست «مادة» تدور حول «جوهر» محدد، ولكنها استجابة للضغوط والتأثيرات التي تجمعت أو تقاربت من طبقات ومستويات مختلفة من الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأيديولوجي والفني والشخصي». وكما تحدثنا سابقاً عن «الواقعية الإيطالية» كحركة سينمائية في الأربعينات جاءت نتيجة لواقع السينما حينها، ومن ثم أحدثت أثراً كبيراً ودائماً في السينما حتى يومنا هذا، فعلينا أيضاً أن نشير إلى إحدى الحركات السينمائية الأخرى المجاورة وهي ما يسمى الموجة الفرنسية الجديدة، والتي جاءت في العقد التالي منطلقة من باريس، حيث تتبناها مجموعة من النقاد والناقمين أيضاً، والذين أصبحوا فيما بعد من كبار المخرجين في السينما العالمية.

تقييم
فبعد الخروج من نيران الحرب العالمية الثانية كان هناك الكثير من الوقت، للنظر في إعادة تقييم الأمور ومنها واقع السينما الفرنسية والتي كانت ترزح تحت وطأة الأطر التقليدية، وتحمل الصفة التجارية حتى في مضامين الأفلام.

موجة جديدة
في عام 1950 كتب فرنسوا تروفو مقالاً نقدياً حاداً عن السينما الفرنسية، منتقداً نظام الإنتاج وأساليب المخرجين وكتاب السيناريو المعروفين آنذاك بنجاحاتهم، على الرغم من أنه لم يقدم بدائل أو رؤية محددة للنهوض بالسينما الفرنسية من واقعها الذي يراها سيئاً. هذا المقال هو إسهام من إسهامات عدة كان يقوم بها، أمثال تروفو وغودار وجاك ريفيت وكلود شابرول وغيرهم ممن تبنتهم ما تسمى «كراسات السينما»، التي أسسها الناقد الكبير والمؤسس الروحي للموجة الفرنسية أندريه بازان عام 1953، حيث سنشهد فيما بعد أفلاماً عدة قدمها هؤلاء (النقاد/‏‏المخرجون) لتأكيد رؤيتهم حول السينما مما اصطلح على تسميته بالموجة الفرنسية الجديدة، والتي حملت معها مجموعة من السمات يشير إليها كلير كلوزو في حديثه عن مصادر أفكار الموجة، بأنها كانت أشبه بعمل جماعي بسبب تشابه إحساس وطموح روادها، فيما جاءت طبيعة هذه الأفكار بكونها ذات طابع شخصي، حيث تعبر عن رؤية مخرجيها بشكل بائن غير حيادي وما يمكن تسميته «سينما المؤلف».

قواعد معتادة
حتى في قواعد اللغة السينمائية المعتادة، كان هناك الكثير من كسر هذه القواعد والخروج عن الأطر التقليدية، في تصوير المشاهد وتكوين الكوادر، وقبل ذلك الخروج من التصوير داخل الاستوديوهات الكبيرة، إلى حيث الشارع والحي والأزقة والمحلات الشعبية. ولعل أفضل ما يمكن أن يعبر عن هذه الموجة، هو مشاهدة أبرز أفلامها مثل فيلم كلود شابرول Le Beau Serge عام 1958، والذي يكاد يكون الفيلم الأول المعبر عن هذه الحركة، على الرغم من وجود فيلم آخر أيضاً في العام نفسه للويس مول وهو Elevator to the Gallows، لكن كثيراً من النقاد والمؤرخين يعتبرون فيلم تروفو الشهير The 400 Blows عام 1959، والذي كان قد فاز في «مهرجان كان» بجائزة أفضل مخرج، بينما ترشح لـ«الأوسكار» كأفضل سيناريو، هو البداية الفعلية لهذه الموجة، خاصة بالنظر إلى مخرجه تروفو، والذي كان من أكثر شباب الموجة حماساً لها.

قوالب سينمائية
يكتمل في تكوين معالم الموجة الفرنسية الجديدة مع أفلام عدة أخرى، مثل فيلم رفيق الدرب جان لوك غودار Breathless عام 1960، والذي تجلى فيه أيضاً التغيير الشكلي، في الفيلم الفرنسي من حيث التصوير والمونتاج مع غودار، الذي اعتاد كسر قوالب اللغة السينمائية التقليدية، كما سنشاهده في فيلمه الآخر عام 1962 My Life to Live، ثم عام 1963 مع Contempt.