الشاشة المصرية التي كانت تحكي عادة اللهجة المصرية صارت تفضّل اللهجة اللبنانية في رمضان. أربعة مذيعين من لبنان حقّقوا مساحة غير مسبوقة من التواجد عبر الشاشة  المصرية هذا الموسم، ولم يكن الأمر سهلاً. عدد من المذيعين المصريين يسألون عن سبب بقائهم خارج الكادر، وما هي الأسباب التي جعلت اللبناني يكسب أو كما يقولون في المثل المصري  الشهير "الشيخ البعيد سره باتع". الحقيقة أنّ لا علاقة للأمر برمضان أو شوال ولا بسرّ الشيخ  الباتع، لكن بمنطق وضرورة وقانون جديد فرض نفسه بقوة قبل سنوات على الخريطة التلفزيونية الفضائية. قانون الفضاء ألغى كل ما عشناه في الماضي عندما كانت البرامج تُوزَّع طبقاً لواسطة كل مذيع ومنصبه الوظيفي وسنوات خبرته. كل ذلك لم يعد له أي تأثير في المعادلة الجديدة، بل إنّ إنتاج البرنامج يخضع للتوزيع، ويلعب اسم المذيع دوراً محورياً بالتأكيد في عملية التسويق. أتذكر في بداية رمضان أنّني تلقيت مكالمة هاتفية من امرأة قالت لي: "هل يرضيك: الدار دار أبونا والغرب يطردوننا؟". سألتها ماذا تقصد، فأشارت إلى المحطات الفضائية التي تستعين بالمذيع اللبناني وتترك المصري. من المؤكد أنّكم استنتجتم أن التي كانت تحدثني، هي مذيعة مصرية وأنّها تستغرب سبب عدم منحها برنامجاً تقدّمه. كانت تقصد طوني خليفة وبرنامجه "زمن الإخوان". طوني واصل تواجده للعام الرابع علي التوالي في "القاهرة والناس"، وجورج قرداحي الذي عاد إلى الشاشة المصرية في "المليونير" من خلال "الحياة"، عرفناه في مصر قبل 10 سنوات وكان أشهر مذيع لبناني في مصر ولا يزال.  وجاء نيشان مع "العسل وأنا"  على "الحياة"، ونيكول سابا" مع "التفاحة" على "دريم". طوني تراجع هذا العام عما حقّقه في السنوات السابقة. يكفي أنّه يقدم ثلاثة من المراقبين السريين، والثلاثة يملكون أصواتاً لدى قطاع وافر من الجمهور، فكيف لا يعرفهم ضيوف البرنامج؟ كان الأفضل في تلك الحالة أن يلعب على المكشوف، أي أن يقدمهم في البداية للضيف وللجمهور. ربما بحكم أنّه لا يعيش في مصر، لم يكن طوني يدري أن مراقبيه الثلاثة من الضيوف الدائمين على برامج الـ "توك شو". لكن كيف يقع فريق الإعداد في هذا الخطأ؟ بينما كان نيشان يدلّع و"يطبطب" ضيوفه أكثر مما ينبغي وإن لم يمنعه هذا من تحقيق سبق إعلامي عندما حصل من حنان ترك على تصريح باعتزالها التمثيل نهائياً بعد مسلسلها الرمضاني "الأخت تريز". جورج قرداحي لا يزال يعيش مع "المليونير" ويعتمد على قوة الدفع الجماهيري التي توافرت له في السنوات الماضية، لكنّه يقدّم اللحن نفسه طوال هذه السنوات. وكلّما حاول الخروج، وجد نفسه مرة أخرى يتّجه الى المليونير بناء على طلب الجمهور. أما نيكول، فهي تشعرني بأنها تستضيف نيكول في كل حلقة. أتصور أنّ بقاء المذيعين الثلاثة على الشاشات المصرية سوف يستمر حتى بعد رمضان،  بينما ستعتبر نيكول التجربة مجرد تواجد لتحقيق دخل  مثلما نرى العديد من النجوم يقدّمون البرامج كل رمضان! الأربعة ليسوا في أفضل حالاتهم هذه المرة، لكن من حقّهم أن يعملوا في مصر، فهم يخضعون لقانون العرض والطلب. القناة  الفضائية تستعين بالورقة التي تحقّق لها الدخل الأعلى والجاذبية الأكبر، ولا تنظر أبداً الى جواز السفر. السوق التلفزيونية أصبحت تفرض على الجميع ضرورات اقتصادية. الأصوات الغاضبة التي تسأل لماذا يعمل المذيع اللبناني في مصر، بينما يجلس الآخرون في بيوتهم تذكّرني بتلك الهجمات الشرسة التي شنتها نقابة الممثلين المصرية قبل 5 سنوات ضد أي فنان عربي يتواجد في مصر. وبدأنا نرى يومها قرارات عشوائية تهدف إلى تحجيم مشاركة الفنان السوري أو اللبناني في الدراما، وانتهى الأمر بأن فتحت مصر شاشتها ولا تزال لكلّ فنان عربي شرط الموهبة. تابعوا كل المسلسلات الرمضانية، ستجدون نجوماً من سوريا، ولبنان، وتونس، والسودان، والمغرب، والأردن، والجزائر يتألقون في الدراما المصرية. ويجب ألا ننسى أنّ التلفزيون المصري كان يحمل حتى سنوات قليلة ماضية اسم التلفزيون العربي. ومنذ إنشائه قبل نصف قرن، كانت تطلّ على المشاهدين مذيعة سورية هي رشا مدينة. وفي الفضاء العربي، تتألق الآن خارج الحدود من مصر المذيعات وفاء الكيلاني، ومريم أمين، وانجي أنور، ومنى سلمان وغيرهن. الزمن تغيّر، وعلى المذيع أن يطوّر أدواته ويحافظ على تلك الحالة من دفء التواصل مع الجمهور، ولا يتصوّر أنّ جواز السفر يوفّر له أيّ قدر من الحماية. لا تصدّقوا أنّ الشيخ البعيد "سرّه باتع". فالمشاهد يختار فقط المذيع "اللي حضوره باتع"!