حين نقول امرأة فلسطينية فهذا يعني أكثر من كلمتين التقيتا، كلمة تدل على الجنس وأخرى على الجنسية. امرأة فلسطينية يعني إما تحت الاحتلال أو مبعدة لاجئة أو نازحة. وإذا أضفنا إلى كل ذلك أنها كاتبة تكتسب معاناتها بعداً جديداً أكثر حساسية وشقاء.

بماذا تحلم جليلية الجشي، الكاتبة الفلسطينية التي لم تغادر وظنها. تحلم بوطن عربي بلا حدود وبفلسطين بلا احتلال...

 جليلة الجشي كاتبة و أمّ  نشبْتُ بأظافرها الحياة خوفاً على فلذات كبدها،  وبقلمها مخرز روحها حفرت على جدار الزمن أن لا حياة من دون حب ومحبة...

إذا كنت لست  أديبة أو شاعرة كما تقولين... أذن كيف تصفين ماتكبتين وعلاقتك به؟

ذكرت في  مقدمة  كتابي "ثرثرة الأيام"  بأني  لست أديبة  ولا شاعرة (كما  لقبني  البعض  مشكورا)، فأنا لست بالمقام  الأدبي الذي أصف فيه نفسي بذلك. قرأت مرة سؤالاً طُرح على الشاعر الأميركي "روبرت فروست"  ما  هو طموحك الأبعد؟ فأجاب أن أغرسَ  القصائد في ذاكرة القارئ بحيث يصعب اقتلاعها من الجذور. وأنا نزفت  من  المشاعر على جسد أوراقي ، وأتمنى أن تغرس كلمات نصوصي  وقصائدي في ذاكرة القاريء.  ورسالتي  كانت أن  تعّبر عن الروح الإنسانية لدى كل قارئ، وتخترق  حدود  الظلم... وخير  من قرأ كتابي وقرأني الكاتب والناقد الفلسطيني زياد الجيوسي حين ترجم مكنونات صفحات كتابي فقال "إن محتواه همسات الأيام  وليس  ثرثرة الأيام. وقد لامست همساته الروح الإنسانية  وجالت في فضائها روح جليلة التي تسكب نزفها وليس  قلمها" نعم،  فالنص الذي لا يلامس  وجدان القارئ،  والقصيدة التي لا تترجم إحساس الذات هي حتما هشة وستتلاشى عند أول نسمة  غياب.

ماذا تعني لك الكتابة؟ وإلى من توجهين رسالتك بها؟

قلمي رفيق إنسانيتي. وألبسه كأنه ثوب الوحش  في  وجه الظلم،  وأسكب  مداده  قطرانا على أؤلئك  الذين   فقدوا  إنسانيتهم  فلَبِسَتـْهم الإعاقات الأخلاقية وباتوا مبللين بمطر  التخمة، متأنقين بحقائب ممتلئة بصفقات  مشبوهة.

أما رسالتي فهي للأثرياء الذين تناسوا حقوق الفقراء  عليهم، ونسوا بأن الحياة فانية فأغرقوا أنفسهم في ملذات الدنيا، ونسوْا أن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها وأن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها.

ما الذي  يميز  شخصية المرأة الفلسطينية عن باقي النساء؟

ربما تعتبر المرأة الفلسطينية من أكثر نساء العالم  صبراً على المعاناة. فمعاناتها  مزدوجة: فهي امرأ ة غارقة  في دهشة المأساة، عالقة بين فكي الغربة والاحتلال.  تحيا فوق أنقاض زلزال صنعته  وحوش الاحتلال على مدى  عقود. تقف وحيدة على  ضفاف حلمها المسروق بين  الموت الوشيك والموت المؤجل. المرأة الفلسطينية قابعة  وسط رعب الفقر وأضرحة الأحبة.

طالت التأثيرات السلبية للاحتلال حياتها برمتها  فباتت شهيدة وأسيرة ومشردة  وأرملة ومُبعدة... مناضلة مكافحة مثقفة  ولها دور لا يقل أهمية عن دور الرجل سواء في الكفاح الوطني الفلسطيني أو في  مشاركتها المباشرة  في المعارك الانتخابية. وكذلك لها دور فعّال في المنظمات والجمعيات النسائية التي من شأنها رفع المستوى  التربوي  والتوعوي  في  ظل وجود احتلال  حرمها الأمن وحرية التنقل. ولا شك في أن المرأة العربية  بشكل عام  أصبحت  تعاني الكثير من الحرمان والتشرد، بسبب الثورات العربية أو بما يسمى "الربيع العربي" أو بمعنى أدق "الهم العربي ".

ماذا أضاف  لك كتاب "ثرثرة الأيام "ومن أين تستمدين قوتك الأدبية؟

            كتاب ثرثرة الأيام  الذي  مازجتُ فيه بين النثر  والشعر  الخاطرة  والقصة القصيرة ، والنصوص العامة  وتحدثت فيه عن  قضايا مختلفة  اجتماعية إنسانية والقليل من المقالات السياسية  أعتقد أنني حققت حلم الطفولة بأن يكون لي -يوما ما كتابا يحمل اسمي، ويُورَّث إلى  أبنائي  وأحفادي. وقد فاق توقعاتي عدد القراء للكتاب، فازددت ثقة  بكتاباتي فأضاف لي إحساساً بالسعادة وانجذبت إلى  الاستمرار بالكتابة سواء شعراً أو نثراً.

            وأمّا الشق الثاني من السؤال، فلا شك بأن القراءة  المتنوعة والمستمرة والاطلاع المتجدد على الإبداع  الأدبي، جميعها أمور  تساعد وتمدُّ الكاتب في تقديم الأفضل. وكلّما تعمقتُ فيما أقرأ تعمقتُ فيما أكتب،  ولكن الأهم من ذلك هو الإحساس العميق بآلام الصامتين وأوجاعهم، وبأحلام  أبناء  وطني بالحرية... أستمدها  من دموع أطفال  فلسطين الخائفين  المحرومين من أبسط حقوقهم ...من أحزان وصرخات الأمهات الثكالى، أستمدها من عذابات العاشقين الهائمين المتيّمين...

ما هو دور المرأة  الفلسطينية في النشاط الثقافي؟

            إن مشاركة المرأة الفلسطينية  لا تقل في أي حال من الأحوال  عن شريكها الرجل في المجال الأدبي  والثقافي،  بل ربما تُكثف نشاطها،  نظرا لأن المرأة بطبيعتها  تحب التحدي وتسعى دائما للسكن في ذاكرة الآخر. فالمرأة في  فلسطين مهمومة بالأنشطة الثقافية،  خصوصا  تلك التي تساهم في إثراء وتفعيل الفكر لتحريرها من قيود الانغلاق الاجتماعي.  ومقارنة مثلاً بالمرأة  في دول أخرى فإنها  تواجه  صعوبات جمّة  كونها تعيش تحت الاحتلال

كيف تصفين لنا الطفل  الفلسطيني بقلمك ؟

            الطفل الفلسطيني أكبر من الوصف، ولكني  سأختزل وصفه بطفل  الحجر والمقلاع ..  وقد كتبتُ  الكثير للطفل الفلسطيني  وعنه ، كذلك  فعل الكثير من كتاب  وشعراء  فلسطين 

الطفل الفلسطيني  كأمه الفلسطينية وأبيه.  شهيد  وأسير وجريح ومبعد يتمنى أن يعيش مع أهله لكنهم قُتلوا، ويتمنى أن يعيش في بيته لكنهم  دمرّوه،  ويحب أن يذهب لمدرسته لكنهم  هدموها، ويحب أن يلعب  في حديقة لكنهم حرموه .    

ماذا  تهمسين في أذن آدم؟

إن مخاوفك عليها أيها  "الآدم"  أكبر  بكثير  من حبك لها، وقمة المأساة أن تطلب منها القبول بك بوصلة الاتجاه التي بدونها ضلت طريقها وضاع الدرب منها.    إدعم طموحها ... إحمِها، إمنحها السكينة، ظللها بالمودة والرحمة، تعامى عن هفواتها الصغيرة، أعطِها الأمان ومد لها جسور الثقة لتصارحك  وتحاورك، كن صديقا لها..كن بستانها لا سِجنها ... كن وفيّا مخلصا لها،  عندئذ لن تخشاك ولن تخفي عنك أمرا ، وبذلك  ستجدها  حواء التي  تمنحك مفتاح قلبها لتتربع فوق عرشه ملِكا ليس بعدك وريث.   واسمحي  لي أن أهمسَ  أيضا في  أذن حواء  وأقول لها  كلمة ... احترميه  دلليه، كوني  قنوعة بما تيسر له،  كوني الأنثى  التي تملأه  والنور الذي  يغمره.

ما هو الدرس الذي علّمتك إياه الحياة؟

في  الحياة  تعلمت  الكثير من الدروس  كان أهمها: من لم يعتبر وجودي في حياته مكسباً لن أعتبر غيابه عن حياتي خسارة .

ما هي النصائح التي  تودين تقديمها لقارئات موقع "أنا زهرة"؟

كل  قارئة هي زهرة ...عبقها سيتخطى كل حواجز الاحتلال ويصلني ليغمرني بعطرها، ونصيحتي  إليها  البسي الأمل ثوبا وتعطري  بشذى الصبر ... ورشي على من حولك رذاذ المحبة . وانثري ورقات أزهارك على درب الوفاء.