لا تحتاج فيروز إلى ألقاب، فاسمها هو لقب بحد ذاته.
هي الغائبة عن الإنظار، لكنها الحاضرة دوماً في كل الصباحات، فهي تأتي بتوقيتها الخاص، الذي لا يشبهها فيه أحد، ولا ينازع حضورها البهي، شيئاً مهما علا شأنه، حتى لو كان بمقام رئيس دولة.
صحيح أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هو الذي (فيق) جمهور (جارة القمر) من سباتهم، حينما اكتشفوا فجأة بعد أن قرر زيارتها في بيتها (ليحتفي رئيس الدولة والفنانة بمئوية وطن)، أن فيروز صارت قِبلة النظر، بعد أن (أدمنوا) غيابها الطوعي، وتعايشوا مع حضور صوتها في صباحات الأيام الثقلى، لكنها حينما ظهرت؛ توقفت عقارب الوقت، واستذكر الناس أن الصوت الملائكي، وهو في منتصف ثمانينيات العمر، ما زال كعادته جامعاً لأحلامهم وذكرياتهم، ومنهم جمهورها اللبناني من شتى الديانات والطوائف، الذي لا يوحدهم سوى صوتها، ثم يقومون لقتال بعضهم، بعد أن يسمعوا معاً (بحبك يا لبنان يا وطني)!

في تفاصيل بيت فيروز، البساطة.. كل البساطة، والياسمين الدمشقي الذي يتدلى فوق سور منزلها، تخترق رائحته قنوات البث، وفي صالونها العتيق يتوزع الدفء وينتشر الإحساس، موحياً لمن يعاين بيتها بقلبه، أين تجلس فيروز في خلوتها، ليجد أن تفاصيل المرأة التي ظلت غامضة وبعيدة.. قريبة، تشبه الناس التي غنت لهم، فها هي "كنبايتها" تُشبه ما يجلسون عليه في بيوتهم، و"كورنر" الصور في زاوية الغرفة، يصطف بذات الطريقة التي ترص فيها سيدة لبنانية أو فلسطينية أو أردنية أو مغربية أو مصرية أو عراقية أو سودانية أو من أي مكان في الوطن العربي، صور أحفادهن، على "كورنر" خشبي يشبهه في بيتها، أما اللوحات العتيقة على جدران صالونها، فهي تحكي قصصاً قديمة، يحتويها بورتريه صامت بثلاثة وجوه لفيروز بريشة الرسامة سيسي سرسق.
ليس ماكرون من كرّم فيروز، بل هي من كرمته في بيتها، لم تتقلد وسام جوقة الشرف الفرنسي وكفى، بل منحته تذكاراً لبنانياً في إطار لوحة، هو قدّر قيمتها، وهي أكدت أن الفنان باقٍ والسياسي راحل.


في عمان، قبل 13 عاماً من الآن، ظهرت فيروز أمامي كوميض من نور، رأيتها تعتلي سدة المسرح، لتشرح بصوتها الملائكي حكاية (صح النوم)، كانت تعلقنا كجمهور بخيوط القمر، كثيرون كانوا مثلي يرونها لأول مرة، فاجأتهم (البنت الشلبية) بسحر حضورها قبل صوتها، ليتأكد من كان حاضراً، أن ما يسمعونه عنها في حكايات الصباح والمساء وفي بيارات البرتقال وحقول القمح، حقيقي. هي ذاتها بذات الحضور الطاغ، تثبت دوماً أن كل شيء يبدأ لينتهي إلا صوت فيروز، فسحرها المتجدد الذي بقي معها حتى اليوم، منذ أن تعلقت الآذان بها عبر موجات الراديو، كان حاضراً في إطلالتها (الرئاسية)، كأنه (مرسال المراسيل).. في كل حضور بعد كل غياب، يهتف عشاق صوتها: (تركت قلبي.. وطاوعت حبك).