تطل تجربة التشكيلي السعودي عبدالوهاب عطيف، على نافذة باذخة الجمال لأفق رحب من الموروث الشعبي والفلكلور والتراث، يستعيد به الطبيعة عبر فضاءاته التشكيلية، وتحتضن خطوطه وألوانه حياة البسطاء، في نوستاجاليا تفيض بحنين لا متناهي، يعانق الماضي ويربت على الحاضر بإلهام إبداعي دقيق الرؤى، يجعل من لوحاته وأعماله مثابة للدهشة والإبهار. عطيف يبين في حواره مع «زهرة الخليج» خفايا إبداعاته ورؤاه.

 

• من أي نبع تستقي إلهام تجربتك التشكيلية؟

- من موروث غني بجمالياته ومترف ببساطته، من صباحات مشرقة بآمال بسيطة تتمايل مع النسمات الجنوبية. من أمسيات القمر، ومن أرواح تصنع الفرح في حكايات تسري مع نسمات الليل في فضاءات البحر والسهل والجبل، لتصبح أساطير من عشق للزمان والمكان، ومن الحنين لأرواح تفسر هديل اليمام بالبشرى لعودة غائب أو الاحتفاء بضيف عابر، من ألوان تحمل الفرح تنقشها بفطرية أنامل نقشت بالحناء عشية عيد. من نساء يقطفن السنابل في الحقل ويشاركن الرجال في أنشطة الحياة اليومية، من برق وسحاب ورائحة سيل قادم من الجبال يحمل الحلم، من لقاء قطرات المطر بالطين بعد طول غياب.

ذاكرة الفل

• ما هي الرسالة التي شكلت مسيرتك التشكيلية؟

- على الفنان أن ينطلق من بيئته وقضايا وهموم مجتمعه. من هنا كانت انطلاقتي كفنان تشكيلي اخترت بيئتي وموروثي، لبناء هويتي ورؤيتي الفنية بتقديم أعمال تشكيلية تسجل وتعرف بالموروث الشعبي لمنطقتي جازان، بأساليب مختلفة من خلال مشروع فني أسميته (ذاكرة الفل) وفق عدة مسارات، تمثل الأول منها في أعمال واقعية تسجل الأحداث اليومية المعيشية والاقتصادية في البيت والحقل والسوق والأزياء والرقصات الشعبية والزينة وتعلق المجتمع بزهرة الفل كأيقونة للفرح. وقد توجت هذه المرحلة بالعديد من الجوائز وكتابات النقاد والمهتمين. ومسار ثان في تنفيذ الأعمال التشكيلية بخامات من الموروث، بعد إعدادها وإعادة تقديمها لإنتاج عمل خالص من الموروث فكراً وخامة، وكانت البداية مع السعف (الخوص) بعد معالجته، ليكون عوضاً عن الكانفس والعمل عليه بالأكريلك أو الزيت، إلى أن تم الوصول إلى أصباغ شعبية من الحجر المطحون يتقبلها السعف، وكانت النتائج رائعة خاصة فيما يتعلق بالبورتريه أو المعلقات من السعف. أما المسار الثالث فهو تنفيذ أعمال من الموروث على مساحات كبيرة وخامات صلبة، تتحمل العرض الخارجي والظروف الجوية فكانت تجربة الفسيفساء (الموزاييك) بقطع السيراميك وتقنية البكسل، وكانت النتائج بفضل الله جميلة.

 

• ما المواضيع الأخرى التي عرجت عليها وإلى أي مدى تعتقد أنك وضعت بصمتك؟

- مساراتي الأخرى هي امتداد للزخرفة الإسلامية، حيث برزت فكرة ابتكار وحدة زخرفية خاصة من الموروث الجازاني، فتم اختيار عناصر من الموروث مثل المسكن القديم وزهرة الفل ونبتة الكادي ثم تحويرها لمواصفات الزخرفة نتج عنها وحدات زخرفية جميلة وزاد من جمالها الاستعانة بالفن الرقمي، لتكوين أعمال زخرفية قابلة للتطور والاستمرار. إضافة إلى تنفيذ أعمال تشكيلية باستخدام قطع من المصنوعات الخزفية الشعبية من الطين واستخدام الألوان الخاصة بها، بتقنية الحرق وإنتاج أعمال تشكيلية مسندية وغير مسندية ومعلقة، بالاستعانة بمواد مثبتة وكذلك  تنفيذ مجسمات بخامات صلبة في ميادين خارجية، حصل آخرها على جائزة سوق عكاظ للفن التشكيلي العام 2017. ومن هنا أقول إنني خلال تجربتي التشكيلية التي تتجاوز الخمسة وعشرين عاماً وثمانية معارض شخصية، تمكنت من تسجيل بصمتي الفنية والتعريف بموروثي في الساحة المحلية والخليجية رغم الصعوبات.

حضور الموروث

• كيف يتحدد عندك دور الموروث في إثراء الوجدان العربي عامة والسعودي خاصة؟

- لا شك أن حضور الموروث في أعمال عدد من الفنانين العرب أكسب تجاربهم حضوراً مميزاً على المستوى العربي والعالمي، فالعديد من الفنانين العرب تناولوا الموروث بأساليب مختلفة تبرز الفكر العربي والتنوع في العادات والتقاليد من بلد إلى آخر، ورأينا أعمالاً رائعة لفنانين عرب مترفة بالحنين، خاصة ممن أجبرتهم الحياة على البعد عن بيئتهم التي عاشوا فيها أجمل العمر.

• إذا كان لزهر الفل ذاكرة فكيف تجيب من خلال مشروعك على سؤال الهوية؟

- الإجابة مؤلمة لنا، نحن رحلنا وتغيرت ملامحنا وفقدنا بساطتنا، أما الفل فلا زال يحتفظ ببياضه ونقائه وعبيره وكل ملامحه، نحن فقدنا دفء البساطة والترابط الاجتماعي ودخلنا في غربة الحضارة رغم التطور في وسائط التواصل الاجتماعي. حقيقة يتجه المجتمع إلى فقد الكثير من ملامح الهوية دون مبرر، فالحضارة لا تعني الانسلاخ من الهوية، بقدر ماهي النجاح في مواكبة التطورات الحديثة مع الاحتفاظ بالهوية.

 

مسارات متعددة

• كيف يمكن أن يعبر فن البورتريه عن الوفاء للرموز؟

- فن البورتريه هو رسم الوجوه مع إظهار الأحاسيس من خلال الملامح، وهو فن قديم استطعنا من خلاله التعرف على أشخاص مؤثرين في التاريخ في المجالات المختلفة. ومن خلال عملي على تقديم الموروث بمسارات متعددة، قمت بتوظيف خامات من الموروث ومنها السعف برؤية معاصرة، من خلال رسم البورتريه بالتنقيط على السعف بأسلوب لم يعرف من قبل، ورغم صعوبة العمل، إلا أنني وفقت من الله في إنتاج مجموعة من البورتريهات خصصتها لملوك وأمراء الدول الخليجية حفظهم الله. وتتميز هذه المجموعة بالقدرة على مشاهدتها من مسافة بعيدة، كما أن الوجه يتابع المشاهد أينما اتجه.

• كيف تقرأ المشهد التشكيلي السعودي في ظل رؤية 2030؟

- التشكيل السعودي على موعد مع ازدهار وحضور قوي في ظل رؤية 2030، وقد بدأت الملامح بإنشاء وزارة الثقافة والتي شكلت هيئة للفنون البصرية خلال الأشهر الماضية، والتي نتطلع أن تقدم خطة لدعم الفنون البصرية بالمشاركة مع مبادرات من جهات راعية للفنون. وبالتأكيد كان للأمر السامي من خادم الحرمين حفظه الله، بأن تقوم الجهات الحكومية باقتناء أعمال الفنانين التشكيليين السعوديين فرحة واسعة في الساحة التشكيلية السعودية، إضافة إلى إنشاء المعاهد الفنية المتخصصة ومتحف الفن السعودي، وربما نكون على مقربة من أول بينالي سعودي.

حلم العـــالمية

يرد الفنان التشكيلي السعودي عبد الوهاب عطيف، على حلم وطموح الوصول بالفن التشكيلي السعودي للعالمية، قائلاً: «رغم بروز عدد من التجارب التشكيلية السعودية في محافل عالمية، إلا أنني أرى أن الحلم في بدايته وذلك لعدد من المعوقات خلال الفترة السابقة، ومنها افتقار المشاركات الخارجية للإعداد الجيد وقصر المشاركة، مما أفقد التجارب المتميزة فرصة الحضور. ونأمل أن تضع وزارة الثقافة هذا الأمر في صدارة اهتمامها، حتى يطلع العالم على تنوع وزخم الحركة التشكيلية السعودية».