يشكل التراث الإماراتي مصدراً غنياً لكثير من حقول المعرفة الأدبية والفنية والثقافية وغيرها من المجالات، إذ تعمل مؤسسات الدولة على تأصيله ليكون كائناً حاضراً في حياة أبناء وطنٍ لا يعتزون بشيء أكثر من اعتزازهم بهويتهم الإماراتية. معرض «الأزياء عبر العصور»، المُقام في أبوظبي حالياً واحدة من أهم الفعاليات التراثية الذي يعرض تراث الأجداد بكل معطياته التاريخية والثقافية وتفاعلاته الاجتماعية.

قطع أثرية

يستشعر زائر المعرض الذي تنظمه دائرة الثقافة والسياحة -أبوظبي عبق التاريخ وحياة الأجداد، عندما يبدأ رحلته في الدخول من بوابة (قصر الحصن) الذي يجسد تطور إمارة أبوظبي، من مستوطنة تعتمد على صيد الأسماك واللؤلؤ في القرن الثامن عشر، إلى مدينة عالمية حديثة، ويضم المعرض معروضات من القطع الأثرية والمواد الأرشيفية التي يعود تاريخها إلى ستة آلاف سنة قبل الميلاد.

لابسات البشت

في بداية الجولة يشاهد الزائر (لابسات البشت) وهو عمل فني تركيبي للفنانة عائشة حاضر المهيري تجسد فيه دور المرأة عبر تاريخ أبوظبي واستخدمت فيه البشت (عباءة للرجال مصنوعة من الصوف ومطرزة بالزري) وتحمل اللوحات صوراً مجازية لارتداء النساء البشت الرجالي للدلالة على مسؤوليتهن في بناء الإنسان الإماراتي وكيف كن قادرات على تربية الأبناء أثناء غياب الزوج في أسفاره للسعي وراء لقمة العيش والقيام بدور المرأة والرجل في نفس الوقت، وتعد اللوحات تكريماً لهؤلاء النساء اللاتي عبرن الصحراء على الإقدام وهن يحملن أبناءهن على ظهورهن في دلالة على القوة والصبر والجلد التي كانت تتحلى بها الجدات.

عاصمة عالمية

عائشة حسن خانصاحب باحثة تراثية في قصر الحصن ومنسقة معرض الأزياء عبر العصور، والتي رافقت «زهرة الخليج» في جولة تعريفية للمعرض، تقول إن الهدف من إقامة هذا الحدث الذي يمتد في الفترة من 13 ديسمبر إلى 4 فبراير استكشاف تطور أزياء المرأة والرجل في أبوظبي خلال الفترة من الأربعينات وحتى الثمانينات، وتعريف الأجيال الحالية بماضي الأجداد من خلال ملابسهم التي تروي تاريخ سكان أبوظبي في تلك الفترة، منوهة إلى أن أبوظبي صارت في هذه الفترة من الزمن وكأنها عاصمة عالمية إذ كانت الأقمشة تأتي من مختلف بلدان العالم مثل الهند وأوروبا الشرقية والنمسا وغيرها.

4 أجنحة

ينقسم معرض (الأزياء عبر العصور) إلى 4 أجنحة مختلفة تسلط الضوء على تاريخ الأزياء عبر العصور، وتقول عائشة: كانت الأزياء الإماراتية قديماً تحاك وتطرز يدوياً وكانت المرأة ترتدي الزينة والحلي في المناسبات، كما يحتفي المعرض بماضي مدينة أبوظبي وتقاليدها وثقافتها المتنوعة والشاملة، ونرى ذلك واضحاً في بساطة الأزياء في عصر ما قبل النفط، لاسيما وقد كان اللون الأحمر هو المفضل لدى النساء وكانت الكنادير (الجلابيات) مطرزة بخيوط التلي بطريقة بسيطة وجميلة وفي بعض الأحيان كانت النساء يعدن تدوير خيوط التلي المستخدمة في الملابس القديمة وقصها والاستفادة منها في تزيين الكندورة الجديدة مرة أخرى، فضلاً عن ارتداء (الشيلة المنقطة) عبارة عن غطاء للرأس أسود اللون به بعض النقاط المعدنية الفضية اللامعة التي كانت النساء تقوم بوضعها يدوياً عليه ويستخدمنها في المناسبات السعيدة، ويضم المعرض أيضاً بعض القلائد التي كانت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية «أم الإمارات» تهديها في مختلف المناسبات.

براقع الجدات

وتشير عائشة خانصاحب إلى أن المعرض يضم أيضاً بعض البراقع التراثية التي تحكي قصصاً وترمز إلى هوية المرأة الإماراتية التي اتسمت بالشجاعة والإقدام ضاربة أروع الأمثال في الإنسانية والكرم، فهناك برقع تاريخي يتميز بالبساطة كانت تملكه تاجرة تسمى (شمة الطريفية) حيث كانت رمزاً للقوة والجلد في عصرها إذ كانت تسير على القدمين من منطقة الوثبة إلى مدينة العين والعكس للتجارة وكسب لقمة العيش. والبرقع المزخرف بالذهب المملوك لفاطمة بنت محمد بن ثاني المهيري إذ كانت ترتديه في أوائل القرن العشرين، وللبرقع المزخرف بالذهب قصة إنسانية توضحها عائشة قائلة: «سمعت المهيري أن زوجة سائق سيارتها وضعت فقامت بقص قطعة ذهبية من البرقع المزخرف بالذهب الذي كانت ترتديه في ذلك الوقت وأهدتها له بهذه المناسبة السعيدة ولم تنتظر حتى تعود للمنزل لتشتري له هدية أو تعطيه بعضاً من المال».

بساطة وأناقة

أما عن ملابس المرأة بعد مرحلة اكتشاف النفط فتقول عائشة: «شهدت الأزياء الإماراتية تغييرات في فترة السبعينات بعد اكتشاف النفط وكانت النساء يشترين الفساتين من أوروبا والهند، ويضم المعرض صورة لعفراء عبد الجليل الفهيم التي تبرع أبناؤها بصورتها وقلائدها الذهبية التي كانت ترتديها وفستان زفافها الذي يرجع لعام 1976 والذي اشترته من النمسا وكان يتسم بالبساطة والأناقة للعرض في المعرض». أيضاً ضم المعرض صندوق (الماكنتوش) وكانت النساء يستخدمنه لحفظ البراقع والعطور ومقتنياتهن الخاصة، أما عن الدولاب الذي يضمه المعرض وكانت تستخدمه النساء في السبعينات لحفظ الملابس فقد صنعت فيه الفنانة التشكيلية نورة السركال عملاً فنياً عبارة عن قلادة ذهبية على المرآة داخل الدولاب من ينظر فيها يشعر بأنه يرتديها.

حتى لا ننسى

ويضم المعرض أيضاً الجناح الخاص بالمغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، ويتضمن قطعاً بارزة خاصة به مثل جاكيت بدلة كان يرتديه تحت البشت وساعة الجيب الأولى التي كان يستخدمها والخنجر الخاص به فضلاً عن العصا التي كانت تلازمه.

كما تسلط المعروضات الضوء على ألبوم «حتى لا ننسى» الذي يعرض صوراً فوتوغرافية للموضة من الستينات إلى الثمانينات، وأربعة أنواع من التطريز في الإمارة منها تطريز التلّي والبادلة، والخوص، والبشت، والتطريزات وأدوات الكاجوجة، وآلات الخياطة في أوائل القرن العشرين، إضافة إلى الأصباغ التقليدية والأقمشة المصبوغة، وقطع زينة الرأس المعروضة جميعها في الفناء الخارجي لقصر الحصن.

 

إقرأ أيضاً: إكسبو 2020 يدعو المواهب الموسيقية من النساء إلى أوركسترا الفردوس