ليس أنانية ولا غروراً ولا عيباً، بل هو الطريق نحو الإبداع والتميّز والعطاء.. حبّ الذات هو البداية والأصل والمتراس والانطلاقة نحو الحب الكبير لكلِّ الناس. هو الانتصار الأول على البغض، كما الشمس والقمر والنجوم، التي تضيء أمامنا الطريق فننطلق من الحبّ الأول، حبّ الذات، إلى الحبّ بكلِّ مفاهيمه ومعانيه، فهل تخشونه؟ هل تخشون أن تُنعتوا بحبّ الذات؟ لا، لا تخشوه بل اسعوا إلى التماسه لتكتمل حلقة الحبّ فتُحِبّون وتُحَبّون وهذا يكفي لتكتمل أسرار ومفاعيل الحبّ.

من هنا تبدأ كل الحكاية، من حبّ الذات، ليُصبح للحياة معناها الأوّل ولأنفسنا معنى مختلف. وهذا ما لا نتعلمه بل يولد فينا بالفطرة، لكننا نقمعه لظننا أن حبّ الذات أنانية، غير مدركين، أن من لا يُحب نفسه، من لا يقلق على نفسه، من لا يخاف على نفسه، من لا يطمح ويثابر ويناضل ويثور من أجل نفسه، سيبقى عالقاً طوال العمر بين القشور. فما رأي مدربو الحياة والعلاقات (اللايف كوتش) في حبّ الذات؟

 المدربة منال النابلسي تنطلق في حديثها من مفهوم علاقاتنا مع الآخرين، في تحديد مفهوم «حبّ الذات» فتقول: «يبدأ المفهوم الخاطئ بكلمات نجترها بالقول: أنتم سبب سعادتنا. وأنتم سبب الهواء الذي نتنشقه. وأنتم سبب بقائنا أحياء وسبب نجاحنا. وهي عبارات يفترض أن نستبدلها بأخرى من نوع: نحن نشعر بسعادة كوننا معكم. نحن نشعر بقيمة الأشياء أكثر حين نكون وإياكم. نحن نشعر أفضل، أجمل، أوضح، معك، معكِ، معكم. فلا نلغي بذلك أنفسنا من قلب المعادلة بل نكون نواتها». فهل راجعتم المقولات التي تفوهتم بها أمام حبيب أو صديق أو قريب؟ راجعوها لتتأكدوا من مدى «الذات» فيها، التي يفترض ألا تُلغى لا في البداية ولا طبعاً في النهاية. 

مصالحة مع النفس 

حبّ الذات ليس خطيئة بل هو الحب بالفطرة، أما بقية أنواع الحب فنكتسبه. العلاقة بذواتنا هي الأهم ولعلها المبدأ الأول في الحياة كي نصمد وتأتي كل الإخفاقات التي قد تتتالى سهلة هينة. فماذا بعد؟ ماذا يمكن أن نتعلم من مدربة الحياة منال النابلسي عن هذا النوع من الحبّ؟ تجيب «ليس حبّ الذات نوعاً من (الإيكو) بل هو مصالحة مع الذات والنفس والحث على ضرورة أن نجتهد من أجل أنفسنا أولاً لا من أجل الآخرين، وأن نتقبل ذواتنا أولاً لأننا إذا لم نفعل هذا فلن يتقبلنا أحد. حبّ الذات هو رحلة أو (مشوار) لا يتوقف ولا ينتهي ما دمنا أحياء نُرزق. لكن، مشكلتنا أننا نعتاد منذ صغرنا، جراء التربية المغلوطة، ضرورة أن ندرس كي نحصل على علامات عالية فيفرح «الوالد»، وأن نأكل في شكلٍ صحي ونتّبع (الدايت) كي نبدو جذابين أمام الشريك، وأن ننجز كي نرضي الآخرين. وهنا يكمن بيت القصيد. فنحن علينا أن ندرس كي ننجح لا كي نُثبت للآخرين أننا ناجحون. ونحن ننتبه إلى طبيعة ما نأكل ونشرب كي نبقى أصحاء ونرضي ذواتنا أولاً قبل كل الآخرين. وهذا ما لا يتعلمه الإنسان في بيئته غالباً. لا يتعلم الإنسان أنه قد يفشل وهذا طبيعي وليس عيباً وأن الفشل هو جزءٌ من الحياة بل يتعلم أن يضع مقاييس عالية جداً أمام ناظريه، حتى ولو لم يكن يملك مقومات الوصول إليها. فيبقى طوال العمر وهو ينشد هذه المقاييس ويرى أن سعادته لن تكتمل إذا لم يبلغها». 

 

لأننا نستحق

فلنفرح لأننا نستحق. فلننجح لأننا نستحق. فلنهتم بذواتنا لأننا نستحق. فلنُردد هذا ونحن نخطو قدماً إلى الأمام. ولنُحبّ ذواتنا. وفي حبّ الذات تتحدث النابلسي عن «أهمية ألا نربط سعادتنا بالزواج أو بترقية في المهنة أو بشراء سيارة جديدة، بل باللحظة التي نعيشها، بفنجان القهوة الذي نرتشفه، أو بلقاءِ عزيز.. فلنعش (اللحظة) بدل أن نربط مشاعر السعادة بأمر قد لا يحدث».

لكن، هناك من قد يفهم بذلك وجوب ألا يحلم بالغدّ ولا يطمح إلى الأفضل؟ تجيب النابلسي: «لا، ليس هذا صحيحاً، فالمطلوب أن نُحبّ ذواتنا ونعيش اللحظة ونفكر في المستقبل لا أن نفكر في المستقبل وننسى اللحظة».

وعن النصائح التي يوصى بها لإنسان يخلط بين الأنانية وحبّ الذات؟ وهل يمكن لإنسان بلغ العقد الرابع أو الخامس أن يتبع خطوات ما تجعله يعيد النظر في مفهوم الحبّ الأول، حبّ الذات، في الحياة؟ تقول النابلسي: لا شيء اسمه عُمر في هذا الموضوع، فالإنسان، مهما تقدم به العمر، عليه إذا أراد أن يشعر بالسعادة أن يتعلم «حبّ الذات» كما يتعلم الطفل المشي، والولد قيادة الدراجة الهوائية، والشابة السباحة. صحيح أن حبّ الذات يبدأ بالفطرة لكنه يُقوّض بالتربية. ومهمة «التدريب على الحياة» إعادة تعليمه هذا النوع من الحبّ. وتوضح النابلسي «في البداية يخشى كثيرون أن (ينزعوا) عنهم الصورة العامة. يخشون أن يفكروا بطريقة أخرى مختلفة خوفاً من فقدان الآخر ظناً منهم أن سعادتهم تنتهي إذا فقدوه. الخوف من فقدان حبيب أو خسارة صديق يمنع الإنسان من البحث عن سبيل تغيير نفسه. ولعلّ الخطأ الأول في ذلك يقع على المجتمع (المدرسة، الأهل، الأساتذة، الأصدقاء) الذي يسهم في ضخّ الأفكار التي تجعلنا نخال أن حبّ الذات جريمة والحبّ، للجميع قبل الذات، أكثر نبلاً. هي أفكار قد تبدو إلى كثيرين مثالية لكنها ليست أبداً كذلك». 

إقرأ أيضاً: الحب تطعيم الإنسانية ضد كورونا

 

أحبوا أنفسكم

وظيفة الاختصاصيين في «تعليم الحياة» مساعدة من يقتنع بوجوب تغيير نفسه بأن يحبّ ذاته أولاً والآخرين لاحقاً، وذلك من خلال أمرين: الالتزام والمتابعة، لكن ما المقصود بالالتزام والمتابعة؟.. تجيب مدربة الحياة منال النابلسي: «الإنسان يعتاد سلوكيات وأفكاراً معينة تصبح جزءاً منه، كأن لا يأكل من طبق يحبه ليترك للآخرين (الضيوف) ذلك، وبوجوب أن يُبدل خططه ومشاريعه من أجل التفاني في متابعة تجارة عائلية لا يحبها. هذه أفكار تصبح عادات لديه يخاف تغييرها. يخاف أن يقول هذا ما أحب وأريد وهذا ما لا أحب ولا أريد، كي لا يفقد من يحب. هو يضحي بذاته من أجل أفكار وعادات وسلوكيات خوفاً أن يُقال عنه أناني «يحب ذاته». وشتان ما بين حب الذات والأنانية. هذا الشخص يحتاج إلى مساعدة وتدريب، ويقال إن تغيير العادة يتطلب الالتزام بذلك مدة 21 يوماً، أما جعل هذا التغيير اسلوب حياة فيتطلب 90 يوماً.

أحبوا أنفسكم، كونوا أنتم، كونوا صادقين مع أنفسكم. ارتدوا لأنفسكم أولاً أجمل الأزياء والألوان. ثقوا بأنفسكم كثيرا وارفعوا رؤوسكم عالياً دائماً. وعندما تنظرون في المرآة ابتسموا. ولا تترددوا في التعبير عن أفكاركم وهواياتكم والموسيقى التي تحبون سماعها والمهنة التي تودون التحليق فيها. وتجاهلوا آراء الآخرين حول خياراتكِم. نصائح كثيرة تُغدق على من يخال أن حب الآخرين لا بُدّ أن يسبق حبه لذاته. وهو خطأ فادح تقترفه. فمن يحب نفسه سيكون سعيداً والسعادة التي تنبع من الداخل، من الذات، مدهشة. 

«حبّ الذات» أصعب أنواع الحبّ. فنحن، منذ نولد، ننحاز إلى السلبية ونبحث عن الأخطار التي تحيط بنا بدل أن نرى النصف الملآن من الكوب، ونميل كثيراً إلى عدم الثقة في الأشياء الجيدة التي تأتي في طريقنا، وننهمك طوال الوقت في التفكير بما لا نحبه في أنفسنا بدلاً من ملاحظة الصفات الجيدة فينا. حبّ الذات هو ممارسة يمكن أن تمنح حياتكم المعنى والعمق اللازمين للبقاء بصحة جيدة وفي قبول نقاط ضعفكم واحتضان قوتكم وزيادة التقدير للذات والنجاح. باختصار: «حبّ الذات» صفة مطلوبة تجعلنا أجمل، أقوى، أرقى، وأكثر نجاحاً.

فنانون ومشاهير:«ضعوا أنفسكم أولاً»

هناك سؤال يُطرح دائماً: هل يمكن للمشاهير، من فنانين وفنانات، أن ينجحوا ويتألقوا ويؤثروا في جمهورهم إذا لم يتمتعوا بصفة «حبّ الذات» وتقديرها؟

نقلب بين الأسماء التي انطلقت في عالم الشهرة، للتأكد من هذا البعد في ذواتهم، فنكتشف مدى انطلاق الكثيرين منه لتكريس أنفسهم وحجز مقاعدهم في عالم الشهرة والتفرد، فها هي الممثلة والمغنية الأميركية بيونسيه،، التي درّبت نفسها في هذا المجال، خرجت بمقولة: «تقديرك لذاتك تحدده أنت، فليس عليك الإعتماد على شخص ما ليُخبرك من أنت».

من جهتها، قالت الممثلة الكوميدية الأميركية لوسيل بال في حبّ الذات: «أحبّ نفسك أولاً، وكل شيء آخر سيُصبح بين يديك». 

الإعلامية أوبرا وينفري، التي أدهشت العالم بجرأتِها، قدّرت نفسها وأحبتها وحلّقت ومن تجربتها قالت: «كنت أخشى أن يقول الناس عني: ومن هذه؟ من تعتقد نفسها؟ لكنني امتلكت الشجاعة لأقف وأقول: هذه أنا، وهذا هو ما أنا عليه».

الليدي غاغا تمردت على كل من حاول أن يجعلها تخجل من نفسِها، وقالت: «لا تسمحوا للناس أن يخفتوا من بريقكم لأنهم عميان. قولوا لهم أن يرتدوا نظارات شمسية، فنحن ولدنا بهذه الطريقة. هذا نحن أعجبهم أم لا».

الفنانة الإنجليزية كيت وينسليت، قالت بدورها: «لا يوجد أي إنسان كامل. وأنا لا أثق بالكمال لكني أؤمن بالقول: هذا هو ما أنا عليه وانظروا إليّ على أنني لست مثالية. وأنا فخورة بنفسي».

ميشيل أوباما كانت لديها الجرأة أيضاً في الإعتراف بإعجابها بنفسها، والقول: «أنا معجبة بنفسي. تعجبني قصتي، حياتي، أسلوبي، وكل (الكدمات) التي في حياتي. وهذا ما يجعلني فريدة».

جينيفر لوبيز كانت تبتسم دائماً في وجه من يحاولون (تقويض) عزيمتها، بالقول: «آمنوا بأنفسكم. أحبوا انفسكم. وتعمقوا في ذلك. وهذا لن يأتي إلا منكم، من دواخلكم، من ذواتكم. ولن يعطيكم إياه أحد».

لاعبة الجمباز الأميركية لوري هرنانديز التي حققت إنجازات كثيرة، قالت: «ضعوا أنفسكم أولاً. اعتنوا بأنفسكم وأحبوا ذواتكم. حب الذات ليس أنانية على الإطلاق».