كانت، ويا لهول كلمة كانت! صبيّة مثل القمر، ناعمة، بارعة، نابغة، تنام وتحلم بمستقبل فيه سجاد أحمر، ونجاح، وتميّز. لم تكن تشكو «وجعاً»، لكن قلبها خانها، وهي بعد في الثامنة عشرة من عمرها. نامت ولم تقم. وأغمضت الصبيّة العينين، وماتت، وفاجأت كلَّ من أحبها، في «تكة»، في لحظة، في أقل من لحظة؛ فأصبحت «كانت» بدل «ستكون». فماذا أصابها؟ وكيف يمكن أن يسكت قلب صبيّة في الثامنة عشرة، لم تقل يوماً كلمة: «آخ»؟ موتُها شكّل فاجعة لكل من حولها، وتقرير الطبيب أتى مهولاً: «توقف في القلب». كيف يُمكن أن يسكت قلب صبيّة هكذا؟.. هل هناك من يشرح قصّة القلب الذي يسكت فجأة، وهو بعد في القمة؟
نعم قلوب الشباب والشابات، التي هي الشريان والحب والنبض والسرّ الكامن بين الأضلع، في الصدر، «تسكت»، وهذا السكوت يكون فظيعاً لا «لعب» معه. وهذا الخبر يُخيف كل من يسمع به، كل أب وأم، وخال وخالة، وعم وعمة، وجد وجدة، وأخ وأخت، لكن يبقى السؤال: هل الجميع معرضون؟ هل من يُطمئن؟ هل يمكن - في الطبّ - وقاية قلوب الشباب والشابات؟ وهل النساء الشابات معرضات أكثر من الذكور؟
اختصاصي أمراض القلب والشرايين، الدكتور أنطوان سركيس، يرى في وفاة صبيّة بسبب أزمة قلبية حادثة نادرة، ويشرح: «وفاة الصبايا، أو الشباب، بعمر العشرين أو الثلاثين، بأزمة قلبية مرده وجود مشاكل في كهرباء القلب غالباً، ولا علاقة له بالشرايين. والثابت أن تلك الحالات لا تُلتقط مبكراً؛ لأنه لا أعراض واضحة تظهر باستثناء بعض الحالات النادرة، التي يسبقها (تقطع) في القلب، ويشعر أصحابها كأن قلوبهم تنتفض بسرعة شديدة، وهذا ما يُطلق عليه في الطب (ضربات هاجرة)».
بلا أعراض
موت تلك الصبيّة، كما وفاة كثير من الصبايا والشباب فجأة، سببه الأول اختلال فجائي في نبضات القلب، نتيجة مشاكل في كهرباء القلب، تؤدي إلى الموت الفجائي. لكن، ألا يمكن اكتشافه قبل حصول الفاجعة؟ هل هناك فحص ما، أو تحليل ما، أو توصية ما؛ كي لا تتكرر المأساة التي حلّت بالصبيّة؟ يجيب الدكتور سركيس: «لا أعراض ظاهرة واضحة، لكن يمكن أن تُكتشف الحالة من الطبيب، وهذا ما يحصل أحياناً بالصدفة». ويستطرد: «يقال حينما يحصل ذلك: (سكت القلب)، لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن القلب لا يسكت بل يخفق قوياً، ما يؤدي إلى حدوث الموت الفجائي».
فهمنا ما يحصل، أو ما قد يحصل.. لكن كيف يمكن التأكد من أن القلب لن يخفق فجأة، و«يسكت» إلى الأبد؟! يجيب طبيب القلب والشرايين: «ننصح، عادة، من لديهم شك في إمكانية حدوث ذلك، ومن لديهم حالة سابقة من هذا النوع في العائلة، بإجراء صورة بالموجات فوق الصوتية (إيكو)، أو تصوير القلب بالرنين المغناطيسي. لكن، أكرر، أن اكتشاف وجود خلل في كهرباء القلب ليس سهلاً أبداً؛ لأنه يحصل في منطقة صغيرة بالقلب».
هذا النوع من الأخبار يُحبطنا؛ حتى لو لم يحصل معنا. فلا أحد، أبداً، سمع بقصة الصبية التي ماتت فجأة، أو بواحدة من قصص الشباب الذين ماتوا وهم في ريعان الشباب، إلا وأصيب بالقلق الكبير على فلذة كبد.
-
توفي لاعب كرة السلة الأميركي «مارفن ستون» بنوبة قلبية في عام 2008 عن عمر 26 عاماً.
باغتهم القلب! مشاهير
لاعب الأهلي المصري محمد عبدالوهاب، العداء الدولي هيثم مشاقي، لاعب كرة السلة الأميركي مارفن ستون، الفنانة المصرية الشابة رضوى أبوشادي، نجمة السينما الهندية سريديفي كابور.. أسماء وأسماء باغت قلبها الموت. وحينما يباغت أمر ما الإنسان؛ تُرسم حوله ألف علامة استفهام.
عام 2021، أربعة من لاعبي كرة القدم، توفوا في خمسة أيام. وهنا، بدأ الكلام عن ضرورة وجود سيارات إسعاف في الملاعب؛ لمحاولة إنقاذ أي رياضي يتعرض لمشكلات في القلب. والشباب الأربعة هم: لاعب فريق نادي الإسماعيلي المصري سابقاً أدهم السلحدار (35 عاماً)، وحارس مرمى نادي تورنادو الإندونيسي توفيق رمزي (20 عاماً)، ولاعب نادي مسقط العماني مخلد الرقادي (29 عاماً)، وقائد فريق مولودية سعيدة الجزائري سفيان لوكار (28 عاماً).
الممثلة والمذيعة وئام الحمداني (34 عاماً)، توفيت في سيارتها بسبب أزمة قلبية مفاجئة في أبوظبي، ولم تكن تعاني أي أمراض. والممثلة صفاء مغربي توفيت، هي أيضاً، إثر أزمة قلبية مفاجئة.
في عام 2017، توفي، أيضاً، الممثل والمذيع المصري عمرو سمير (33 عاماً)، إثر أزمة قلبية مفاجئة. وكثير منا لم ينسوا - بَعْدُ - وفاة الإعلامية نجوى قاسم، ليلة رأس السنة 2020، نتيجة أزمة قلبية، وحصل ذلك بالتزامن مع موت بيا رباط، شقيقة الإعلامي بيار رباط، بسبب مشاكل طارئة في القلب.
-
عاشت الممثلة وعارضة الأزياء الأميركية آنا نيكول سميث، حياة قصيرة (39 عاماً) لكنها مليئة بالأحداث، ومن أهمها وفاة ابنها دانييل واين (20 عاماً) بشكل مفاجئ أيضاً.
تضخم القلب
اختصاصية طب العائلة، الدكتورة منى عثمان الحاج، توفي ابنها هشام الحاج (15 عاماً) في ملعب كرة القدم فجأة، من دون أن يسبق ذلك أي عارض، وأتى التشخيص اللاحق: «موت مفاجئ؛ بسبب تضخم في القلب». خبر صاعق؛ قررت الوالدة (الطبيبة) على أثره أن تعمل على نشر الوعي حول هذا النوع من الوفيات.. فماذا في المعلومات التي يفترض بنا، جميعاً، معرفتها حول هذا النوع من الوفيات؟
أحياناً، يتطور خلل غير منظور لدى الشباب، بين 12 و35 عاماً، قد يؤدي إلى موتهم الفجائي، غير أن الرياضيين يكونون عرضة بنسبة أعلى تتجاوز الضعفين؛ نتيجة المجهود الذي يمارسونه في الألعاب المختلفة. لهذا مطلوب، بحسب الدكتورة الحاج، أن «يكون الفحص الطبي الدوري إلزامياً لجميع الرياضيين خصوصاً، والشباب عموماً، وتحديداً تخطيط القلب الكهربائي، على أن تتوافر، دائماً، في الملاعب آلة مزيل الرجفان الخارجي، وأن يكون المدربون الرياضيون مجازين في الإنعاش القلبي الرئوي».
تضخم القلب سببٌ رئيسي في هذا النوع من الوفيات، ويُشكّل نحو 36% من حالات موت القلب الفجائي المباغت، وهو ما قد يحدث، غالباً، بعد القيام بجهد كبير. لذلك، يوصي أطباء كثيرون بضرورة إجراء فحوص طبية قبل السماح لأي شاب أو شابة بممارسة الرياضة. ويفترض التركيز في الفحص السريري، خصوصاً لدى الرياضيين اليافعين، على فحص النبض في الأطراف السفلى بالجهتين، وفحص ضغط الدم وقوفاً وجلوساً وعند الاستلقاء، والتنصت لصوت القلب وقوفاً وجلوساً وعند الاستلقاء أيضاً.
نعرف أن القلق ثقيل، لكن بعضه واجب لدفعنا إلى التحرك والمراقبة أكثر، والتنبه إلى أي أمر قد يتسلل بخبثٍ، ولا نعيره انتباهاً. «متلازمة مارفان» ماذا تعرفون عنها؟ من الآن فصاعداً انتبهوا إليها أكثر.. إنها اضطراب في الأنسجة الضامة بالجسم، ومعظم من يعانون هذه الاضطرابات لديهم مشاكل في القلب والأوعية الدموية وصمامات القلب. فلا تتساهلوا، أبداً، مع أي إشارة؛ لأنه لا أعراض ظاهرة واضحة لهذا الموت المباغت.
مهما تحدثنا وسألنا وراجعنا وحللنا وحاولنا أن نستبق الأمور ونحتاط لها، يبقى هذا النوع من الموت يشكل صدمة حقيقية، ويترافق مع كل علامات الاستفهام: لماذا؟ متى؟ كيف؟ أين؟ فليس سهلاً، أبداً، على الوالدين أن يشاهدا ابنتهما - ابنة الثامنة عشرة، التي كانت تضجّ حياة للتوّ - جثة هامدة ممددة في «نعش». إنه الموت الذي لا يُمهد لقدومه أقله بكلمة «آخ». لكن، يبقى للأحياء ألا يرزحوا تحت نير ما حصل؛ لأن من يخف الموت يخسر الحياة.
6 أسئلة وأجوبة
1. ما مدى شيوع الموت المفاجئ عند الشباب؟
- يحدث معظم الوفيات الناجمة عن السكتة القلبية عند كبار السن، وتحديداً لدى من يعانون منهم أمراض الشريان التاجي، لكنها تحدث، أيضاً، لدى الشباب والرياضيين. إنها، لسوء الحظ، السبب الرئيسي في الوفيات بين هؤلاء. ومعدل حدوثها غير واضح، لكن تُرجح الدراسات أن تكون هناك حالة واحدة من كل 50,000 حالة وفاة مباغتة بالقلب، تحدث لدى الشباب والشابات.
2. لماذا «يسكت» القلب فجأة لدى الشباب؟
- يُحدد السبب في وثيقة الوفاة، غالباً، باضطراب في القلب. وفي التفاصيل، إنه لسببٍ ما يخرج القلب عن السيطرة، ويُعرف ذلك الإيقاع غير الطبيعي للقلب بـ«الرجفان البطيني».
3. هل هناك إشارات ما، ولو قليلة، تجعل الحذر واجباً؟
- تحدث مثل هذه الوفيات دون سابق إنذار. لكن، هناك إشارات وعناصر يفترض أخذها بعين الاعتبار، أبرزها: الإغماء غير المبرر، خصوصاً إذا حدث أثناء ممارسة النشاط البدني. ويشكل التاريخ العائلي للموت المفاجئ بالقلب دون سن الخمسين، أيضاً، علامة تحذير رئيسية أخرى.
4. هل يمكن أن يُسبب القلق نوبات قلبية؟
- في المعلومات أن من يعانون قلقاً أو اكتئاباً أو إجهاداً مزمناً، حتى لو كانوا يافعين، أكثر عرضة للإصابة بنوبات قلبية أو سكتات دماغية. وتشير الدراسات إلى أن واحداً من كل 5 مرضى بالنوبات القلبية تقل أعمارهم حالياً عن 40 عاماً. ويرتفع معدل النوبات القلبية عند فئة صغار السن بنسبة 2% سنوياً.
5. لماذا تحدث سكتات القلب، أحياناً، أثناء النوم؟
- يُرجح أن يؤدي توقف التنفس أثناء النوم إلى عدم انتظام ضربات القلب، ما يؤدي إلى الموت القلبي المفاجئ. وفي تفسير أدق، يؤدي انقطاع النفس أثناء النوم إلى خفض مستويات الأكسجين، ويترافق ذلك مع إغلاق مجرى الهواء العلوي، ما يضغط على القلب ميكانيكياً.
6. هل يمكن أن يُظهر تخطيط القلب الكهربائي نتائج ثابتة؟
- هناك جدل في الموضوع؛ فهذا النوع من التخطيط مكلف جداً، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج خاطئة، فقد يأتي بنتيجة إيجابية غير صحيحة، وقد يُظهر نتيجة سلبية، أيضاً، غير صحيحة.