منذ فترة بسيطة، فقدتْ صديقتي والدها بعد أن صارع المرض لأشهرٍ طويلة. وأنا أواسيها في مصابها بقيتْ تتحدث عن شعور الفقد الذي بات ينهش قلبها. وفي معرض حديثها، رسمت صورة هذا الفقد، وهي الشاعرة البارعة، بعبارةٍ تُحفر في الوجدان: «أشعر بأني بت عارية!».

ربما كانت ستمر عبارتها بصورة عارضة لمن يسمعها؛ ما لم يكن قد جرب شعور الفقد من قبل هو الآخر، ولأنني اكتويت بنار فقدي أبي قبلها؛ فقد أوجعتني كلماتها، وأعادتني إلى ما كنت قد كتبته في كتابي الأول «عيسى سيرة ابتسامة لا تنطفئ»، وأنا أصف ما شعرت به لحظة رحيل والدي، رحمه الله:

لحظتها شعرت بأن عالمي، الذي ألفته منذ ولادتي، قد بدأ يتفكك إلى هشيم ينهار فوق رأسي..

ومثلما خرج عيسى ذات فجر من المستشفى فرحاً بأبوته، خرجت أنا ذات فجر آخر مثقلةً بيُتْمي.

شعور الفقد بحد ذاته يُفقد الإنسان بوصلته، يجعله يتسمر عاجزاً لا يلوي على شيء، يقف المرء بين مفترق طرق لا يستطيع تحديد وجهته، ولا جمع شتات أفكاره، ممتلئاً بخواء يثقله ويصرفه عن العقلانية والمنطق، فكيف إذا ما كان هذا الفقد لشخص قد أتيت من صلبه، وما أنت إلا امتداد لحياته؟!

فإذا ما كان فقد الأم مصيبة كبرى في حياة أبنائها لا تعادلها مصيبة، فإن فقد الأب خسارة كبيرة لأبنائه، خصوصاً حينما يكون ذلك الأب رجلاً مثالياً وأباً متفانياً، عطوفاً، يؤثر أبناءه على نفسه، ولا يدخر جهداً ليوفر لهم الحياة الكريمة.

يشعر أبناء مثل هذا الأب بأن الخيمة التي كانت تظللهم، وتحميهم من هجير الحياة ومحنها، قد اقتلعت من فوق رؤوسهم، وأصبحوا هباءً في مهب الريح.

نحن لا نشعر بنعمة وجود آبائنا في حياتنا، نظل نعتقد أن وجودهم في حياتنا أمر مسلم به أو عبء ثقيل، وقد نتضايق حيناً من نصائحهم، ونعتبرها تدخلاً في حياتنا، لكننا بعد أن نفقدهم؛ نندم على اللحظات الكثيرة التي أضعناها من حياتنا بعيداً عنهم، نفتقد اهتمامهم، ونجد أنفسنا قد عدنا صغاراً غير قادرين على تحمل أعباء الحياة.