حينما‭ ‬دخلت‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬النافذة،‭ ‬وجلس‭ ‬الكاتب‭ ‬بفضول‭ ‬فطريّ‭ ‬في‭ ‬الكوخ،‭ ‬علّمه‭ ‬هواء‭ ‬العشب‭ ‬على‭ ‬الجبال‭ ‬تعاليم‭ ‬مشاركة‭ ‬الأشياء‭ ‬اللامرئية،‭ ‬والسكن‭ ‬فيها‭ ‬بالشّعر‭ ‬والذّوق‭ ‬والفلسفة،‭ ‬وفق‭ ‬وظيفة‭ ‬التصغير‭ ‬الحالمة‭.‬

نَظَرَ‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الأبواب‭ ‬الداخلية‭ ‬إلى‭ ‬كثافة‭ ‬روحه،‭ ‬أبصر‭ ‬الأشياء‭ ‬الدقيقة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بعين‭ ‬الخيال،‭ ‬وتساءل‭: ‬أين‭ ‬يقع‭ ‬ينبوع‭ ‬هذه‭ ‬العين؟‭   ‬

تريد‭ ‬العين‭ ‬الجوهرية‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬كوخاً‭ ‬لخلوته‭ ‬في‭ ‬الأعالي،‭ ‬هادئاً‭ ‬وفقيراً‭ ‬ومعزولاً‭ ‬جداً،‭ ‬تائهاً‭ ‬في‭ ‬الوحدة‭ ‬العظيمة،‭ ‬وممتلئاً‭ ‬بالزمن،‭ ‬ومطلاً‭ ‬من‭ ‬سفوح‭ ‬الأبد‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الشكل‭ ‬المطلق‭ ‬للتخلي،‭ ‬رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الكوخ‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الذات‭ ‬والمطلق،‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬لقطع‭ ‬التعلّقات،‭ ‬وفتح‭ ‬العيون،‭ ‬واكتشاف‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للحياة‭.‬

أن‭ ‬يكون‭ ‬الكوخ‭ ‬ضئيلاً،‭ ‬وفي‭ ‬منتهى‭ ‬الأشياء‭ ‬الخفيّة‭ ‬واللامرئية،‭ ‬ومقابلاً‭ ‬ذلك‭ ‬الجبروت‭ ‬الضخم‭ ‬للغابات‭ ‬والأنهار‭ ‬والمرتفعات‭ ‬العملاقة،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الكوخ‭ ‬مرصداً‭ ‬خفياً‭ ‬لكون‭ ‬عظيم،‭ ‬ولا‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬الجبال‭!‬

لماذا‭ ‬اختار‭ ‬‮«‬هيدغر‮»‬‭ ‬ملاذه‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬الجبال؟

لماذا‭ ‬كلّم‭ ‬زرادشت‭  ‬‮«‬نيتشه‮»‬‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬الألب؟

لماذا‭ ‬اختار‭ ‬الصيني،‭ ‬غاو‭ ‬شينغجيان،‭ ‬الجبال‭ ‬العظيمة؛‭ ‬ليكتب‭ ‬رائعته‭ ‬الفريدة‭ ‬‮«‬جبل‭ ‬الروح»؟

لماذا‭ ‬الأعالي‭ ‬قرينة‭ ‬مهبط‭ ‬النداءات‭ ‬الوجودية؟

لماذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوادي‭ ‬أو‭ ‬السهل‭ ‬أو‭ ‬البحر‭ ‬مركز‭ ‬احتضان‭ ‬التائهين‭ ‬في‭ ‬فكرتهم؟‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬أرجاء‭ ‬فسيحة‭ ‬متدفقة‭ ‬بالهواء،‭ ‬وممهدة‭ ‬لانسياب‭ ‬الرّوح‭ ‬بطلاقة‭ ‬وحرية؟

إقرأ أيضاً:  شيماء الوطني تكتب: حليب.. وخبز!
 

إن‭ ‬الجبال‭ ‬ليست،‭ ‬كما‭ ‬نراها،‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الظواهر‭ ‬المادية‭ ‬مجرد‭ ‬صور‭ ‬علوية،‭ ‬تحدّها‭ ‬مجموعة‭ ‬علاقات‭ ‬حسابية‭ ‬وعددية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الاعتراضات‭ ‬المجرّدة‭ ‬للفلاسفة،‭ ‬إن‭ ‬حقيقة‭ ‬الجبال‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬التسلل‭ ‬داخل‭ ‬تلك‭ ‬الشعرية‭ ‬الحالمة،‭ ‬في‭ ‬الهالة‭ ‬السحرية،‭ ‬والوهم‭ ‬المتحرك،‭ ‬وفق‭ ‬عوالم‭ ‬تنبؤية،‭ ‬في‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬يحفر‭ ‬الكتلة‭ ‬الداخلية؛‭ ‬ليسمح‭ ‬لنا‭ ‬بفهم‭ ‬المرئي،‭ ‬إن‭ ‬العالم‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬أعماقه،‭ ‬حميم‭ ‬في‭ ‬خفائه،‭ ‬والإخفاء‭ ‬وظيفة‭ ‬أولية‭ ‬للحياة،‭ ‬أما‭ ‬الفضول‭ ‬فهو‭ ‬العمق‭ ‬الكثيف‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭.‬

الجبال‭.. ‬هي‭ ‬الجذر‭ ‬الحالم‭ ‬لبذور‭ ‬الكلمات،‭ ‬والعبور‭ ‬الجوهري‭ ‬الأمثل‭ ‬لمريدي‭ ‬الكتابة،‭ ‬ومنفذ‭ ‬لاجتياز‭ ‬الحدود‭ ‬الخارجية،‭ ‬والاغتسال‭ ‬من‭ ‬الضجيج،‭ ‬وفضاء‭ ‬أبيض‭ ‬للسكن‭ ‬داخل‭ ‬الأشياء‭ ‬الحميمة،‭ ‬التي‭ ‬تجذبنا‭ ‬لتأملها‭ ‬داخل‭ ‬أجواء‭ ‬الرّاحة،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬راحة‭ ‬ممزوجة‭ ‬بحزن‭ ‬الوحدة،‭ ‬مشتعلة‭ ‬بلغز‭ ‬السؤال،‭ ‬وعواصف‭ ‬المعرفة،‭ ‬ودبيب‭ ‬المنطق،‭ ‬وفيضان‭ ‬الفضول‭ ‬في‭ ‬المعنى‭. ‬إنها‭ ‬راحة‭ ‬القلق،‭ ‬والكاتب‭ ‬الجوهريّ‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬هذه‭ ‬الراحة‭ ‬الغامضة‭ ‬أشبه‭ ‬بفراشة‭ ‬منجذبة‭ ‬إلى‭ ‬المصباح‭! ‬تكراراً‭ ‬يحوم‭ ‬حول‭ ‬ذلك‭ ‬الشك‭ ‬العظيم‭: ‬من‭ ‬نحن؟‭ ‬وأين‭ ‬هو‭ ‬حيّزنا‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الضخامة‭ ‬والانتشار‭ ‬السريع‭ ‬والمريب‭ ‬في‭ ‬المجهول؟‭ ‬وإلى‭ ‬متى‭ ‬نجرُّ‭ ‬ظلّنا‭ ‬العملاق‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬الحياة؟‭ ‬راضخين‭.. ‬وأحياناً‭ ‬متمردين‭ ‬في‭ ‬الفراغ،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الطبيعة‭ ‬سائرة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاصطفاء‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭.‬