متى‭ ‬صفعني‭ ‬الإدراك‭ ‬الأول؟‭!‬

ربما‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬بطفولتي‭ ‬المبكرة،‭ ‬عندما‭ ‬أخبرتني‭ ‬صديقتي‭ ‬بأن‭ ‬القمر‭ ‬يسير‭ ‬معها‭ ‬ليلاً‭ ‬عندما‭ ‬تسير،‭ ‬يتوقف‭ ‬عندما‭ ‬تتوقف،‭ ‬يسرع‭ ‬عندما‭ ‬تسرع،‭ ‬ويبطئ‭ ‬عندما‭ ‬تبطئ‭!.. ‬ساعتها‭ ‬نظرت‭ ‬إليها‭ ‬مصدومة‭ ‬شاعرة‭ ‬بالخيانة،‭ ‬وقد‭ ‬ظننت‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬هبة‭ ‬القمر‭ ‬الخاصة‭ ‬لي‭! ‬حسبتني‭ ‬وحدي‭ ‬من‭ ‬يلاحقها‭ ‬القمر‭! ‬شعوري‭ ‬الأول‭ ‬بالخذلان‭ ‬جعلني‭ ‬أتوقف‭ ‬عن‭ ‬حماقة‭ ‬رفع‭ ‬رأسي‭ ‬إلى‭ ‬السماء،‭ ‬تخلصت‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬عنقي‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬تعلق‭ ‬بمراقبة‭ ‬القمر،‭ ‬لكنني‭ ‬حرمت‭ ‬نفسي‭ ‬جمال‭ ‬الليل‭ ‬ونجومه‭!.. ‬تخيلوا‭!.. ‬دفعت‭ ‬السماء‭ ‬كلها‭ ‬فاتورة‭ ‬خطيئة‭ ‬قمر‭ ‬مخادع‭!‬

متى‭ ‬آلمني‭ ‬الإدراك‭ ‬الثاني؟‭!‬

ربما‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬أكبر‭ ‬قليلاً؛‭ ‬عندما‭ ‬حملت‭ ‬طبق‭ ‬طعامي‭ ‬المفضل؛‭ ‬ليصدمني‭ ‬كونه‭ ‬شديد‭ ‬السخونة؛‭ ‬لكنني‭ ‬خفت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أتركه‭ ‬فيسقط‭ ‬وينكسر،‭ ‬احتملت‭ ‬حرارته‭ ‬وصرخت‭ ‬بألم‭ ‬وأنا‭ ‬أحاول‭ ‬التشبث‭ ‬به‭ ‬أكثر‭ ‬بين‭ ‬معصميّ‭ ‬حتى‭ ‬وضعته‭ ‬على‭ ‬المائدة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬بقي‭ ‬هو‭ ‬سليماً،‭ ‬واحتفظ‭ ‬معصماي‭ ‬بندبة‭ ‬ازدادت‭ ‬قتامتها‭ ‬مع‭ ‬الأيام،‭ ‬وهي‭ ‬تذكرني‭ ‬كلما‭ ‬رأيتها‭ ‬أنني‭ ‬امرأة‭ ‬يشق‭ ‬عليها‭ ‬التخلي‭ ‬وإن‭ ‬تأذت‭! ‬كان‭ ‬آخر‭ ‬طبق‭ ‬تعلقت‭ ‬به‭ ‬بهذا‭ ‬الهوس،‭ ‬وقد‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬دفع‭ ‬فاتورة‭ ‬ندبة‭ ‬الطبق‭ ‬الساخن‭!‬

إقرأ أيضاً:  لولوة المنصوري تكتب: ظلٌّ في الصدى
 

متى‭ ‬وخزني‭ ‬الإدراك‭ ‬الثالث؟‭!‬

عندما‭ ‬خانتني‭ ‬صديقتي‭ ‬المقربة،‭ ‬وفضحت‭ ‬أسراري‭ ‬للغرباء؛‭ ‬فقررت‭ ‬ألا‭ ‬أصادق‭ ‬أحداً،‭ ‬وعندما‭ ‬اقتحم‭ ‬اللصوص‭ ‬بابي‭ ‬فقررت‭ ‬ألا‭ ‬أفتحه‭ ‬ولو‭ ‬للجيران،‭ ‬وعندما‭ ‬منحني‭ ‬أحدهم‭ ‬الحب‭ ‬كتفاحة‭ ‬‮«‬سنو‭ ‬وايت‮»‬‭ ‬المسمومة؛‭ ‬فاكتفيت‭ ‬منها‭ ‬بقضمة‭ ‬كادت‭ ‬تقتلني،‭ ‬وكرهت‭ ‬بعدها‭ ‬كل‭ ‬صنوف‭ ‬التفاح‭! ‬

ومتى‭ ‬عانقني‭ ‬الإدراك‭ ‬الأخير؟‭!‬‭ ‬

حين‭ ‬التقيتك‭! ‬كنت‭ ‬قبلك‭ ‬أسمع‭ ‬كل‭ (‬أحبك‭) ‬كأنها‭ (‬سأستغلك‭)‬،‭ ‬كل‭ (‬أنا‭ ‬معك‭) ‬كأنها‭ (‬سأهجرك‭)‬،‭ ‬وكل‭ (‬أصالحك‭!) ‬كأنها‭ (‬اخبطي‭ ‬رأسك‭ ‬في‭ ‬الجدار‭!)..‬‭ ‬كأنني‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬كل‭ ‬لاجئ‭ ‬لقلبي‭ ‬فواتير‭ ‬خذلان‭ ‬من‭ ‬سبقه‭ ‬من‭ ‬الراحلين،‭ ‬لكنك‭ - ‬وبتعويذة‭ ‬حب‭ ‬آسرة‭ - ‬فككت‭ ‬لعنة‭ ‬الفواتير‭ ‬القديمة،‭ ‬بل‭ ‬ومزقتها‭ ‬تحت‭ ‬قدميّ‭!.. ‬علمتني‭ ‬أن‭ ‬الزهور‭ ‬تبقى‭ ‬ساحرة‭ ‬ولو‭ ‬قرصني‭ ‬النحل،‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬يبقى‭ ‬واعداً‭ ‬ولو‭ ‬آذاني‭ ‬حصاه،‭ ‬سامحت‭ ‬القمر‭ ‬المخادع،‭ ‬وعشقته‭ ‬معك‭ ‬أكثر،‭ ‬صالحتُ‭ ‬ندبة‭ ‬الطبق‭ ‬الساخن‭ ‬متى‭ ‬طبعتَ‭ ‬قبلتك‭ ‬عليها،‭ ‬وفتحت‭ ‬بابي‭ ‬للأصدقاء‭ ‬والجيران‭ ‬بعدما‭ ‬خيطتُّ‭ ‬أثواب‭ ‬أمانيّ‭ ‬الممزقة،‭ ‬صرت‭ ‬أصدق‭ ‬وعود‭ ‬شجرتك‭ ‬من‭ ‬الياسمين،‭ ‬التي‭ ‬يفوح‭ ‬عطرها‭ ‬ليلاً‭ ‬هامساً‭ ‬لي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭: ‬‮«‬لو‭ ‬خاننا‭ ‬ضوء‭ ‬النهار؛‭ ‬فلنا‭ ‬في‭ ‬نور‭ ‬البدر‭ ‬ملجأ‭ ‬ومتسع‭!‬‮»‬‭.‬