صبيّة جميلة، مليئة بالإحساس والشغف، كانت أوّل من افتتح استديو نسائياً خاصاً للرياضة والرقص في مدينة الرياض، حيث ولدت في المملكة العربية السعودية، من والد لبناني، ووالدة لبنانية سعودية، وكبُرت مولعة بالطبيعة والرقص والرياضة. هايكنغ، وتسلق جبال، وعلم نفس، وقوّة وتميّز، وانطلاقة ترفع الرأس.. نيللي العطار قصّة فتاة استثنائية جعلت العلمين اللبناني والسعودي يرفرفان على أعلى القمم العالمية، رافعة شعار: «تحركوا.. واتحدوا».

تحركت نيللي العطار، وتحدّت، واعتلت قمّة تلو قمّة، والقمم في حياتها لا تنتهي؛ فهناك عند كل قمّة ارتفاعات أخرى للوصول إليها، وهذا أحد أسرار نجاحها.

كانت البداية برفقة والدها محمد العطار؛ فقد كان يعشق الطبيعة، ومليئاً بالحياة. وحينما كانت بعمر 17 عاماً أخذها في رحلة إلى كينيا، وهناك مارست رياضة الهايكنغ برفقته. كان الوالد ينظر إلى ابنته الصغرى نيللي فرحاً فخوراً، ويضحكان معاً في جنات الطبيعة، ومن هناك كانت البداية؛ فقد أرشدها والدها إلى سرّ شغفه بالطبيعة؛ فاستهوتها كما عشقها هو.

 

 

 

 

الرياضة حياة

توفي والد نيللي قبل فترة قصيرة، وهو «حاضرٌ معها كظلّها، كنبضِها، كروحِها». تتحدث عنه كثيراً، وهي تروي حكاياتها «مع القمم» على أنواعها.. درست نيللي علم النفس، فما الذي قادها إلى هذا الاختصاص، وهي الشغوفة بالرقص والرياضة والتسلق والطبيعة؟.. تجيب: «بعد المرحلة الثانوية، انتقلتُ إلى لبنان، ثم بريطانيا، ودرست علم النفس في الجامعة».

وتوضح: «اعتبرتُ، حينها، أنه لا صحّة بلا صحة نفسية وجسدية، والرياضة كفيلة بتغيير حياتنا. ويوم دخل والدي المستشفى كنت أرقص له، وأحثّه على الرقص، ثم حينما أغادر المستشفى كنت أركض وأبكي. الرياضة ساعدتني كثيراً في تخطي مشاكلي وأحزاني. واستخدمت علم النفس، أيضاً، مع مرضى اشتغلت معهم يعانون إصابات في الدماغ، كنت أحثهم على المشي والحركة والتعبير، فالرياضة صحة وحياة، وعلم النفس له أثر في كل ذلك».

لحظات الفرح

الرياضة أنواع، وتسلّق الجبال أحدها. نيللي العطار انطلقت تتسلق قمماً وجبالاً، وصل عددها إلى 14 قمة وجبلاً، معظمها موجود في نيبال والهند وباكستان والصين. ونجحت في تسلّق جبل إفرست، وهو القمة الأعلى، كما وصلت إلى قمة جبل «كي 2»، وهو ثاني أعلى جبال العالم بعد إفرست، وأكثر القمم خطورة. تُخبرنا نيللي بكل ذلك، فهي التي لا تهاب القمم أو المخاطر. وحالياً، تعاني إصابة في قدمها بعد صعودها في يوليو الماضي قمة جبل الألب، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على تسلقها قمة «كي 2»، تقول: «الرياضة حياتي، والحركة هي الحياة، وأجمل ما فيها أنها متعددة الأبعاد؛ فيمكننا أن نتسلق، أن نرقص، أن نسبح، فلا حدود للرياضة، ويكفي أن نتحرك في أي اتجاه؛ لنساعد صحتنا الجسدية والنفسية».

ماذا عن لحظات الفرح عند الوصول إلى القمة؟.. تجيب البطلة نيللي: «قبل الوصول إلى القمة، هناك لحظات خوف وقلق، ولحظات فرح. يوم تسلقت قمة إفرست رأيتُ جثثاً عدة، وشعرتُ بخوفٍ شديد، رأيتُ فتاة ممددة بلا نبض، كانت مثلنا تنوي الوصول إلى القمّة، وليس الموت على الجبل، وهناك مشاعر كثيرة اجتاحتني؛ فقد رأيتُ أشخاصاً أصيبوا بالمرض أثناء تسلقهم. جبل (كي 2) أكثر ما جعلني أشعر بالخوف، أدركتُ فوق قمته أنني إذا احتجتُ إلى مساعدة فقد لا أجد من يمدّ يده نحوي؛ ليقدم لي العون. بموازاة ذلك، كنت سعيدة للغاية، وهذا ما ترجم أننا، أنا وفريقي، كنا أول من وصل إلى هذه القمة، وقد حدث ذلك ليلاً. وقفتُ على القمة، وكان لديَّ شعور رائع طاغٍ غمرني وقتها، شعور لا يوصف. وفي تلك اللحظات، استوعبتُ أنني أول فتاة عربية تصل إلى قمة (كي 2). وقفت في نقطة عالية عالية جداً، حيث تمرّ الطائرة، فلا يوجد إرسال، والحرارة تزيد على أربعين درجة تحت الصفر. ووزني لا يتعدى الـ45 كيلوغراماً. كنت أرتدي ثياباً يزيد وزنها على وزني، والحذاء الذي أنتعله يتجاوز وزنه الكيلوغرامين، وقفازاً. هنا، أتذكر أحد الأصدقاء، الذي خسر أصابعه، وهو يتسلق نحو القمة، بعد أن تمزق قفازاه، ولم يعد قادراً على احتمال الجليد».

 

 

مخاطر كثيرة يتعرض لها من يتسلقون القمم، فهل فكرت فيها نيللي العطار؟.. هل قالت (على الأقل في نفسها): لماذا أفعل ما أفعله؟.. تجيب: «أحياناً، في لحظات الخوف الشديد، أقول ذلك في نفسي، لكن حينما أعود إلى مكاني، إلى منطقة الراحة الخاصة بي، أقول: سأكرر ما فعلته، وسأقوم بامتحان آخر، بتسلق قمة جديدة؛ فالمشاعر التي أكتسبها من تسلق القمم لا توصف».

وتسبق تسلق القمم تدريبات طويلة، تزيد على ثلاثين ساعة أسبوعياً، وعن ذلك تقول: «النساء يبرهنّ على أنهن يتحملن ألماً أكثر، لكنَّ المتسلقين معظمهم رجال، بنسبة تسعة رجال، مقابل امرأة واحدة».

نيللي العطار، التي ولدت عام 1990، لا تهدأ أبداً؛ فنراها في أوقات فراغها تتسلق حتى أشجار النخيل، إذ تصرّ على التدرب يومياً، ونراها تتدرب وهي تجرّ دولاباً ثقيلاً؛ فالتدريبات قاسية غالباً، لكنها تصرّ عليها للحفاظ على لياقتها. وهي تجلس، أحياناً، في الجليد لتستعدّ لصقيع القمم؛ ولأنها نحيفة جداً عملت على الإكثار من تناول الطعام قبل تسلق جبال ألاسكا؛ لأن من شأن الدهون منح الجسم بعض الدفء في الصقيع، تقول: «الرياضة تجعلني أشعر بأنني حيّة، وتمنحني كثيراً من السعادة، وهو ما أردت أن أشاركه مع الآخرين والأخريات».

تلازم نيللي فكرة، هي: وماذا بعد؟.. ماذا عليّ أن أفعل بَعْدُ؟ فهي تأبى الراحة، وتتمنى أن تمضي حياتها رياضية، وهذا كان هدفها منذ افتتاح أول استديو للرقص في المملكة العربية السعودية، فقد بدأت من خلال صفحة على «إنستغرام»، والإقبال عبر صفوف «الأونلاين» جعلها تنتقل إلى الخطوة الثانية؛ فقد شجعها الناس، وشجعتهم. وأسست، في البداية، صفحة «إنستغرام»، التي وصلت إلى العالمية، وقد نجحت في أن تكون من أوائل الذين غيروا نمطية هموم المرأة، وأن همومها فقط هي آخرة صيحات الموضة، والمكياج؛ فالنساء يحتجن إلى أن يتحركن أكثر، وهي تثق بأن الفشل أحد مبررات النجاح، إذ تستخدم أي فشل قد يمرّ بها لتعمل أكثر وتنجح؛ لذلك أصبحت سفيرة المملكة العربية السعودية لـ«الرياضة للجميع» (sports for all)، كما شغلت موقع سفيرة منظمة «كاتموسفير»، التي تعمل على مواجهة التهديد البيئي، ونشر الوعي. 

ويبقى السؤال: ما نصيحة الرياضية متسلقة الجبال نيللي العطار لبنات جيلها؟.. تجيب: «تحركنَ.. مارسن الرياضة؛ فهي تعزز لديكنَّ الثقة بالنفس.. وستفهمن بأنفسكنّ معنى أن تتحركنَ.. فالحركة هي الحياة».