الأسواق الشعبية مرآة الهوية، وروح المكان، حيث تعانق رائحة التاريخ نبض الحاضر. ففي أزقتها الضيقة، وأكشاكها الملوّنة، يكتشف الزائر ملامح المجتمع الحقيقية، من الحرف اليدوية والأطباق التقليدية، إلى دفء الوجوه ولهجات الناس. فالتسوّق فيها ليس مجرد شراء، بل تجربة ثقافية حيّة، تعيد تعريف السياحة الأصيلة، وتدعم الحرفيين، وتحافظ على الموروث الذي يروي حكاية المكان عبر الزمن. وفي الإمارات، تتجاوز هذه الأسواق مفهوم التجارة؛ لتصبح جسراً بين الماضي والحاضر؛ وبين العطور الشرقية والأبواب الخشبية والفوانيس المضيئة؛ فتروي قصص البحر والتجارة والضيافة. ولأن كل إمارةٍ تحتفظ بخصوصيتها، فإن التجوّل في أسواقها يشبه رحلة في متحفٍ مفتوحٍ.. رحلة تبدأ من أبوظبي، مروراً بدبي، ووصولاً إلى الشارقة، المدينة التي تتنفس ثقافةً وتراثاً، حيث يقف سوق العرصة، في مشهدٍ يعكس جوهر الهوية الإماراتية.
-
الحرف التقليدية
أسواق العين وأبوظبي.. التراث في أبهى صوره
هناك.. في قلب الصحراء، التي تحنّ إلى البحر، تولد الحكايات كل صباح بين رائحة البخور وصوت الباعة، وتُكتب على جدران الطين والمرجان قصصٌ لا تشيخ. في أسواق العين وأبوظبي، تعيشون لحظاتٍ من الدهشة، كأنكم تعيدون اكتشاف الإمارات في صورتها الأولى، نقية، نابضة، ومضيئة بروحها القديمة. بمنطقة العين، يبدو سوق الزعفرانة عطراً أنثوياً يعبق بالنسائم، حيث تديره نساء إماراتيات بقلوبٍ من كرم، وأيادٍ تعرف كيف تجعل البساطة فناً. في هذا السوق، تثبت كل زاوية أن الجمال حين يَنْبُع من الجذور، لا يَبْهَت أبداً. وفي ردهات سوق القوس وسوق البوادي، تمتد الروح البدوية بأناقتها الممزوجة بلمسة المدن الحديثة. فالهواء يحمل نكهة الشتاء، والواجهات التراثية تتلألأ تحت شمسٍ ذهبية خفيفة، وبين الممرات الحجرية تُعرض التحف اليدوية، والأقمشة والعطور، بينما تدعوكم المقاهي إلى استراحةٍ قصيرة على رائحة القهوة العربية، التي لا تُقدَّم هنا كمشروب، بل كطقسٍ من الضيافة، والأصالة.
-
في سوق الفهيدي -
سوق قرية البري
ثم تأتي مدينة أبوظبي، العاصمة التي تعرف كيف تُنصت إلى الماضي، وتتطلع إلى الأفق. ففيها سوق قرية البري، الذي يبدو كلوحة من الشرق والغرب، فهو «عربي الهوى، وإيطالي الإلهام». هنا، يمكنكم الإبحار في قنواتٍ متعرجة على متن قارب؛ لتتأملوا انعكاس الضوء على الماء، ولتستمتعوا بإطلالةٍ مهيبة على جامع الشيخ زايد الكبير. وفي أسواق ميناء زايد، بأبوظبي، تنكشف روح المدينة بتجلياتها، فهناك سوق السمك، حيث لا يزال البحر يتحدث بملح الأمواج، ورائحة الصيد الطازج، وسوق الخضار والفواكه الذي يفيض بالألوان، كما لو كان لوحةً من الفرح اليومي. ثم سوق السجاد، وهو عالم من المنسوجات التي تسرد حكايات أفغانية وإيرانية وتركية، وسوق النباتات، ذلك الركن الأخضر، الذي يذكّركم بأن الحياة مهما ازدحمت بالإسمنت، تحتاج دومًا إلى لمسة خضراء من الحنين.. إنها أسواقٌ لا تُقاس بجمال واجهاتها، أو قيمة معروضاتها، بل بما تبثّه في الروح من سكينةٍ ودهشة.
-
سوق الأقمشة في الفهيدي -
سوق الذهب في دبي -
سوق التوابل
أسواق دبي.. لمسة من الفرح
في دبي، المدينة التي تجمع العالم على أرضٍ واحدة، لا تُروى الحكايات فقط بين ناطحات السحاب، بل أيضاً بين أزقّةٍ قديمةٍ، تتلألأ بروحها الخاصة. فهناك، تقف أسواق دبي الشعبية كقصائد من الحياة، نابضة بالعطر، والضوء، والدهشة. ابدؤوا رحلتكم من سوق الذهب، الذي تأسس عام 1940، في ديرة. في هذا السوق يتجسد بريق الصحراء في أكثر من 400 متجر، تلمع واجهاتها كأنها شمس لا ينطفئ وَهَجُها. وهناك، لا يُعرض الذهب فقط كحُليّ، بل كفنٍّ من الضوء، تمتزج فيه الموهبة الهندية بالتقاليد الإماراتية، في حوارٍ بصريٍ مذهل. وفي الجوار، يلوح لكم سوق التوابل برائحته قبل أن تقتربوا منه، بعبق الزعفران، والقرفة، والهيل، والكركم، الذي يملأ المكان كأنّه سيمفونية عطرية؛ فهو عالمٌ من الألوان والنكهات، حيث تصطف أكياس البهارات كلوحات فنية، وتهمس الأعشاب بأسرارٍ حَمَلَتْها الرياح من الهند وإيران إلى قلب دبي. أما سوق الأقمشة في الفهيدي، فهو عالم من الملمس واللون، فلفّات الحرير والكريب والقطن تنساب بألوانٍ تشبه غروب دبي الذهبي، حيث تتداخل الظلال الدافئة مع الضوء في مشهدٍ لا تملّه العين. هنا، تتجلّى الأناقة في أنقى صورها.. بساطة التفاصيل، وأناقة الحِرْفة.
-
سوق العرصة
من سوق العرصة.. إلى أسواق: صقر والرولة والغوير بالشارقة
حين تتجول داخل سوق العرصة؛ تشعر بأنك تعود بالزمن إلى أيامٍ كانت فيها التجارة حكاية تُروى بين البحارة والتجار والنواخذة. في قلب الشارقة القديمة، ينبض هذا السوق بالحياة منذ نحو قرنين، محافظًا على روحه الأصيلة، التي جمعت الشرق بالغرب على أرضٍ واحدة. واليوم، بات وجهةً ساحرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر، دون أن يفقد الدفء الإنساني الذي يميّزه. وبين أزقته المُظللة ينتظرك أكثر من سبعين دكانًا تراثيًا، تعرض كنوز الإمارات القديمة، منها: خناجر منقوشة، وصناديق خشبية مطعّمة بالنحاس، وحُليٌّ فضية، ولآلئ خليجية، وبخور يعبق بالأصالة. ولا تنسَ التوقف عند المقهى الشعبي وسط السوق؛ لاحتساء القهوة العربية، وتذوّق الحلويات الإماراتية. أما إذا كنت تتساءل عن معنى اسمه، فقد جاء من كلمة «العرصة»، التي تعني باللهجة المحلية (الساحة الرحبة بين البيوت القديمة). وتستمر الرحلة في الشارقة عبر سوق صقر، الذي بُني قبل أكثر من خمسة عقود، وكان في الماضي مركزاً لتجارة الذهب والفضة والمنسوجات. ويقف اليوم شامخاً قرب خور الشارقة، نابضاً بالحركة والحياة، حيث تتلاقى البضائع القادمة من الهند وإيران وباكستان في أجواء تجارية أصيلة، تُعيد إلى الأذهان حقبة ما قبل الاتحاد. أما سوق الغوير وسوق الرولة، فهما عنوان البساطة الشعبية، حيث يصطف الباعة أمام محالهم المزخرفة، ينادون الزبائن بابتسامةٍ ودفء، وتتناثر حولهم التحف والمجوهرات والعطور الشرقية والهدايا التذكارية، التي تجذب الزوار من كل مكان.. إنها أسواق لا تُقدّم منتجات فحسب، بل تمنحكم تجربة إماراتية حقيقية، تُشعركم بأنكم جزء من نسيجها الاجتماعي، والإنساني.