هناك شيء غريب في برج الجدي؛ فكل من يلتقيه، لأول مرة، يظن أنه يعرفه.. بهيبة هادئة، وحضور منضبط، وخطوات محسوبة، وطريقة في الحديث، توحي بأنه شخص لا يهتز بسهولة.. وهكذا تنشأ الأسطورة الأولى: «الجدي قوي دائماً.. لا يتأثر، ولا يتغيّر!».
والحقيقة.. الجدي يتغيّر، ويتأثر، ويتقلّب مثل الجميع، لكنه يجيد إخفاء ذلك ببراعة تُربك حتى أقرب الناس إليه. ولو عرف العالم ما يدور بداخله حين يصمت؛ لأدرك أن هذا البرج ليس كما يبدو أبداً.
يُقال: إن الجدي لا يعرف الخفة، ولا يجيد التعبير عن مشاعره، وأن عاطفته مؤجّلة، دائماً، إلى إشعارٍ آخر. لكن الحقيقة أن قلبه حاضر بقوة، فقط، لا يسمح له بالظهور؛ إلا حين يشعر بالأمان. والجدي يخاف من الفقد أكثر من أي برج آخر؛ لذلك لا يمنح ثقته دون اختبار، ولا يكشف هشاشته بسهولة. لكن حين يفتح بابه، يكون عطاؤه نادراً، وثابتاً، وصادقاً؛ لدرجة تُربك من اعتقدوا أنه بارد.
الجدي ليس بلا مشاعر؛ هو فقط يتعامل مع مشاعره كما يتعامل مع مشاريعه: بخطوات مدروسة، وحرص شديد، وإصرار على أن يبقى ثابتاً؛ مهما اشتدت العواصف.
-
أبراج.. «الجدي».. أسرار خلف «الهيبة الهادئة»
وهناك فكرة أخرى تتكرر: «الجدي عنيد، ولا يحب التغيير». أما الحقيقة، فهي «الجدي يتغيّر»، لكنه يحتاج إلى سبب واضح، وصورة كاملة، وإحساس داخلي بأنه يسير على أرض صلبة، إنه لا يقفز إلى المجهول؛ بل يبني جسراً بخطوات دقيقة، ويعبر بثقة يفتقر إليها الآخرون. وحين يقرر التحول، يكون تحوّله ناضجاً، وهادئاً، وساحقاً في نتائجه، كأنه يستعد له منذ سنوات.
كثيرون يظنون أن الجدي قاسٍ؛ لأنه لا يزيّن كلامه، ولا يجامل في ما يراه خطأ. لكن الحقيقة أن هذه الصراحة نابعة من مكان نقيّ جداً. فالجدي يرى أن الحقيقة تُصلِح، وأن المواربة تُتْعب، وأن اللطف الحقيقي هو ألا نترك أحداً يتوه في الوهم. إنه لا ينتقد ليجرح، بل ليضيء زاوية معتمة، وإن بدا ذلك حاداً أحياناً.
أما جملة «الجدي مشغول دائماً»، فتتردد كثيراً. لكن الحقيقة أن انشغاله ليس هروباً؛ فتلك طريقته في الشعور بالسيطرة على حياته. وحين يحب أحداً، يمنحه مساحة خاصة، لا ينافسها شيء؛ فيمنح اهتماماً ثابتاً، وحضوراً صامتاً، وولاءً لا يتأثر بالمسافات.
وحين تدخل الشمس إلى برج الجدي، فهذا البرج الذي يبدو صارماً، يزداد دفئاً. وهو وقت مراجعاته العميقة، وقراراته الهادئة، وجرأته الخاصة في إعادة ترتيب حياته. لا يتعامل الجدي مع الزمن كبداية أو نهاية، بل كمساحة للعمل الهادئ حيث تتشكل الخطط بخطوات ثابتة، بلا ضجيج، لكنه يعرف، تماماً، مكان الوصول.