الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان: الهوية جذر نحلق منه إلى العالم

في المشهد الثقافي الإماراتي، حيث تتقاطع المعرفة مع الهوية، وتتشكل ملامح المستقبل من جذور راسخة.. تقف الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، الباحثة في الأمن الاجتماعي والثقافي، ورئيسة مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، كواحدة من أبرز الشخصيات، التي منحت الثقاف

رئيسة التحرير: نسرين فاخر / مديرة التحرير: لبنى النعيمي

في المشهد الثقافي الإماراتي، حيث تتقاطع المعرفة مع الهوية، وتتشكل ملامح المستقبل من جذور راسخة.. تقف الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان، الباحثة في الأمن الاجتماعي والثقافي، ورئيسة مجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، كواحدة من أبرز الشخصيات، التي منحت الثقافة معنى يتجاوز حدود المبادرات إلى مشروع وطني، يستمر أثره منذ أكثر من ربع قرن. ومؤخراً، جاء فوزها بـ«شخصية العام الثقافية» في جائزة العويس للإبداع 2025 ليؤكّد هذا الدور ويمنح مسيرتها الفكرية والإنسانية شهادة جديدة على أثرها الممتد في ترسيخ مكانة الفكر النقدي في زمن التحولات التقنية. لكن الحكاية، كما ترويها الشيخة الدكتورة شما، بدأت قبل ذلك بكثير؛ من بيتٍ آمن بأن العلم استثمار، والقيم رصيد، ومن والدٍ كان الكتاب - في مجلسه - جزءًا من تكوينه، ففتح أمامها نافذة الوعي الأولى، وشجّعها على القراءة حتى تحوّل شغفها المعرفي من متعة فردية إلى إحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعٍ يتغيّر. ومن هذا الإدراك، نشأ مشروعها الفكري والإنساني: تمكين الإنسان، وإحياء القيم، وتعزيز الثقافة؛ بوصفها قوة ناعمة تحمي تماسك المجتمع، وتواجه تحديات عصرٍ، تتسارع فيه التكنولوجيا، وتزدحم به المعلومات. فالشيخة الدكتورة شما تؤمن بأن التجدد يبدأ من الداخل، لكنه لا يكتمل إلا بالفعل الثقافي، والوعي المشترك.. في هذا الحوار، الذي تتصدر فيه الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان غلاف «زهرة الخليج»، نقترب من فكرها ومساهماتها، ورؤيتها التي تؤكد أن حماية الهوية مسؤولية تربوية وثقافية مشتركة، وأن الأكاديمي والمعلم شريكان في توجيه بوصلة الشباب نحو قيم راسخة، وإنسانية ممتدة، وما يلفت في حديثها، هو ذلك المزج النادر بين الفكر والعاطفة؛ فهي، دائماً، تقول: «إن المحبة والعلم يسيران معًا؛ ليصنعا إنسانيتنا»:

  • الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان: الهوية جذر نحلق منه إلى العالم

جذور الوعي

حين تتأملين محطات حياتك.. ما البداية التي تعتبرينها لحظة التحوّل الحقيقي في وعيك الثقافي، ومسارك الفكري؟

حين أقلب صفحات الذاكرة، أدرك أن لحظة التحول لم تكن حدثاً درامياً واحداً، بل كانت لحظة إدراك المعنى؛ حين تفتّح وعيي على يد والدي الشيخ محمد بن خالد آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان يشجعني على القراءة. لقد نشأت في بيت كان الكتاب جزءاً أساسياً من مكوناته، فوالدي، رحمه الله، كان مدرسة سياسية واجتماعية مفتوحة. لكن اللحظة المفصلية كانت حين تحول شغف القراءة لديَّ من فعل فردي للمتعة الشخصية، إلى قلق وجودي تجاه مجتمعي. لقد أدركت، مبكراً، أننا أمام تحولات حضارية هائلة، وأن الثروة المادية وحدها لا تحمي الأمم، بل يحميها الرصيد المعرفي، الذي ينمو في عقول أبنائها. وكانت لحظة التحول الحقيقي حين قررت أن أخرج من عزلة المكتبة إلى فضاء العمل العام، وبدأت تكوين نواة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، وانطلق «مجلس الفكر والمعرفة» في التسعينيات؛ إيماناً مني بأن المثقف لابد أن يشتبك مع قضايا مجتمعه، ويكون فاعلاً في تعزيز المجتمع، ودعم رؤية قيادتنا الرشيدة في بناء المجتمع الإماراتي.

مع بداية عام جديد.. كيف تجددين رؤيتك ورسالتك كقائدة فكرية، وهل التجدد يبدأ من الداخل أم من الفعل المجتمعي، من وجهة نظرك؟

التجدد لديَّ ليس قراراً موسمياً يرتبط بالتقويم، بل ديناميكية حياة؛ فأنا أعيش حالة مراجعة نقدية مستمرة لذاتي وأفكاري، فالقائد الفكري لا يتوقف عند قناعاته القديمة، بل يظل متجدداً ومتطوراً مع رصيده المعرفي، الذي ينميه يوماً وراء يوم مع كل تجربة معرفية، إنها الجدلية الأبدية بين الثابت والمتحول، وأيهما أكثر سيطرةً على المعطيات الفكرية للإنسان، وتحقيق التحول للثابت يحتاج إلى وعي عميق، ورؤية مستنيرة لثوابتنا الفكرية والثقافية، دون التخلي عن الثوابت الأخلاقية؛ فهي قلب الوجود الإنساني. وهذا يقودني إلى تساؤل مفاده: «هل التغيير من الداخل أم الخارج؟»؛ إنه علاقة جدلية لا تنفصل. التجدد يبدأ، حتماً، من الداخل، من قدرة الإنسان على كسر جمود العادة، وهزيمة الركود الذهني. لكن هذا التجدد الداخلي لا يكتمل إلا بالاحتكاك بالفعل الثقافي، والتبادل الفكري والمعرفي. أستمد تجددي من رؤية قيادتنا الرشيدة، وأسئلة الشباب، وتحديات التكنولوجيا، وتغيرات المجتمع. ورؤيتي تتجدد حينما أرى العالم بعين جديدة. إن رسالتي، اليوم، لیست مجرد نشر المعرفة، بل إدراك إدارة المعرفة، وتوجيهها؛ لتكون أداة للحكمة، وليست بيانات صماء.

  • الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان: الهوية جذر نحلق منه إلى العالم

معرفة إنسانية

قلت مرارًا: إن «المعرفة هي الركيزة الأساسية للتغيير الإيجابي، والمستدام».. كيف ترين علاقة الإنسان المعاصر بالمعرفة اليوم؟

نحن نعيش في عصر تبدّلت به المفردات، وتغيّرت طبيعة علاقتنا مع العالم بصورة جذرية. ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي قد نجد أنفسنا - بمرور الوقت - أمام مأزق حضاري حقيقي، يواجه البشرية بأسرها. ومن أبرز ملامح هذا المأزق، ما يمكن وصفه بـ«تخمة المعلومات»؛ فالعقل الإنساني مُحاصر بطوفان لا ينقطع من البيانات، ويتنقّل بين آلاف العناوين يومياً، لكنه نادراً ما يجد فرصة للغوص في العمق، أو ممارسة التفكير النقدي. لقد أصبحت العلاقة بين الإنسان والمعرفة استهلاكية عابرة، تُمارس على طاولة شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تتزاحم الآراء والانطباعات، بينما تغيب المعرفة التي تُبنى على التأمل والتحليل. إن المعرفة الحقيقية - في جوهرها - هي تلك التي تتحول إلى سلوك، ومنهج تفكير يصقل الوعي، ويوجّه البوصلة الأخلاقية والفكرية للإنسان. إن التحدي، الذي نواجهه اليوم، لا يكمن في الوصول إلى المعرفة، بل في قدرتنا على قراءتها ونقدها، والتمييز بين قيمتها وضررها. والخطر الحقيقي يكمن في تحول الإنسان إلى مجرد مُسْتَقْبِل رقمي لا يحلل، ويستهلك ولا ينتج، ويتراجع دوره لصالح خوارزميات تتسابق على تشكيل وعيه. نحن بحاجة ماسة إلى استعادة القيمة الجوهرية للمعرفة، تلك المعرفة التي تَبني الحضارة، وترتقي بالإنسان، وتجعله أكثر رحمة وعمقًا في رؤيته، وأكثر قدرة على استشراف المستقبل. فالمعرفة التي تمنحنا عمقًا إنسانيًا، ليست تلك التي تحوّلنا إلى آلات ذكية، وسريعة.. بلا روح!

جيل اليوم

كيف تقرئين وعي الجيل الجديد اليوم، وما أبرز التحولات التي تلمسينها في طريقة تفكيره؟

الجيل الجديد، هو الذي يعوّل عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لمواصلة مسيرة الحضارة الإماراتية الحديثة. وأراه جيلًا محظوظًا ومظلومًا، في الوقت نفسه، فهو محظوظ بالأدوات التي اختصرت له الزمن، وفتحت أمامه آفاقًا واسعة للمعرفة، ومظلومٌ بحجم التشتت، الذي يفرضه عليه تدفّق المعلومات، وسرعة الإيقاع الرقمي. وبصفتي أستاذة زائرة بكلية التقنية العليا للطالبات في العين، وبجامعة الإمارات العربية المتحدة؛ حين ألتقي أبناء هذا الجيل في المحاضرات، وأناقش معهم القضايا العامة، ألمس ذكاءً لافتًا، وسرعة بديهة، ورصيدًا معرفيًا متنوعًا، يفوق ما كان متاحًا لنا حينما كنا في مثل أعمارهم، وهذا أمر طبيعي في ظل تعدد مصادر المعرفة اليوم. لكن، في المقابل، أرى تأثيرًا كبيرًا للعالم الافتراضي، وشبكات التواصل الاجتماعي، في تشكيل وعيهم، بينما يتراجع حضور الكتاب كمصدر أساسي للمعرفة، وهذا يشكل تحديًا حقيقيًا لعمق الرؤية والتحليل لديهم، كما أشرت سابقًا. إن أبناء هذا الجيل امتداد لرؤيتنا، لكن بصيغتهم الخاصة؛ فلا ينبغي أن نطلب منهم أن يكونوا نسخًا منا. إن رؤيتنا كانت رؤية تأسيس وبناء، ورؤيتهم مشدودة نحو الابتكار والاستدامة. كما أرى فيهم بذرة «المواطن العالمي»، الذي يعتز بهويته الإماراتية، ويتحرك بخطوات واسعة، وبوتيرة توازي سرعة التطور التكنولوجي. ودورنا تجاههم ليس الوصاية عليهم، بل تصويب اتجاه بوصلتهم حين تنحرف؛ وأن نمنحهم هوية إماراتية راسخة، تساعدهم على التحليق عاليًا، دون أن تقتلعهم رياح العالم الافتراضي، والمواطنة الرقمية، من جذورهم الأصيلة.

حصلت على درجة الدكتوراه في الأمن السياسي والاجتماعي.. كيف يمكن ترجمة هذا المفهوم في ظل التغيرات الرقمية اليوم؟

حين أنجزتُ رسالتي للدكتوراه، كان مفهوم الأمن مرتبطًا بالدولة، ومؤسساتها، وحدودها الجغرافية. أما اليوم، فقد انتقل جوهر الأمن إلى فضاء جديد تمامًا: الفضاء السيبراني والعقل البشري. نحن نعيش عصر حروب الوعي، حيث لم يعد احتلال الأرض هو الخطر الأكبر، وإنما احتلال العقول، وتزييف الوعي بطرق خفية ومتقنة. إن ترجمة مفهوم الأمن السياسي والاجتماعي، في زمننا هذا، تتطلب ما أسميه «السيادة الوطنية الرقمية»؛ فهي أمنٌ يحمي الهوية الوطنية من الذوبان في العالم الافتراضي، ويحمي الأسرة من التفكك الذي تسببه الفجوات الرقمية، ويحصّن الشباب من الأفكار المتطرفة، التي تتسلل عبر «الشاشات الزرقاء» إلى عقولهم دون استئذان. الأمن، اليوم، لم يعد مسؤولية الشرطة والجيش وحدهما، بل أصبح مسؤولية مشتركة، تشمل: المعلم، والمثقف، والأب، والأم، وصانع المحتوى؛ فكل كلمة، ومعلومة، ومنصة، قادرة على التأثير، إما ببناء الوعي أو بتدميره. ونحن بحاجة إلى أمن ثقافي استباقي، يصنع الفعل، ولا يكتفي برد الفعل؛ لهذا تعمل قيادتنا الرشيدة على تعزيز مكانة الإمارات في الفضاء الرقمي، خاصة مجال الذكاء الاصطناعي، حتى أصبحت دولتنا في مقدمة الدول بهذا المضمار. ويأتي إنشاء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (أول جامعة في العالم متخصصة في هذا المجال)، شاهدًا على رؤية استراتيجية، تدرك أن حماية المستقبل تبدأ من القدرة على فهمه، والتفوق فيه.

  • الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان: الهوية جذر نحلق منه إلى العالم

تمكين المرأة

من خلال دراستك للرضا الوظيفي لدى المرأة.. كيف تقرئين تطوّر المرأة الإماراتية من حيث الطموح، والدَّوْر المجتمعي؟

 لقد تخطّت المرأة الإماراتية مرحلة المطالبة بالحقوق منذ زمن، بفضل رؤية قيادتنا الرشيدة، منذ أن بدأت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية (أم الإمارات)، مسيرتها التاريخية لدعم وتمكين المرأة. فقد حصلت المرأة الإماراتية على حقوقها عبر استراتيجية واعية؛ جعلت التمكين واقعًا معيشًا وليس شعارًا، حتى تجاوزنا اليوم مرحلة التمكين إلى مرحلة الريادة والشراكة الكاملة في بناء الوطن. فما نراه اليوم ليس تطورًا تلقائيًا، أو نتيجة حتمية لمسار اجتماعي، بل هو تطور نوعي في وعي الإماراتية بذاتها؛ فلم تعد تنافس الرجل، بل تتكامل معه في منظومة وطنية واحدة. وطموحها لم يعد يقف عند حدود السقف الزجاجي، بل تخطّاه ليصل إلى الفضاء، والطاقة النووية، والعلوم المتقدمة. ومع كل هذه الإنجازات، يبقى أعظم ما حققَتْه - في نظري - هو قدرتها على صياغة نموذج حداثي، دون أن تتخلى عن هويتها الإماراتية الأصيلة. فهي، اليوم، وزيرة وعالمة ومهندسة وطبيبة ومعلمة، وفي الوقت نفسه حارسة قيم المجتمع. أما تحدي المرأة القادم، فليس إثبات وجودها، لأنه بات أمرًا محسومًا؛ وإنما موازنتها بين أدوارها المهنية والاجتماعية، والحفاظ على صحتها النفسية، وتماسك أسرتها في ظل تسارع إيقاع الحياة.

كيف يمكن للمرأة المثقفة أن توازن بين دورها الاجتماعي، ودَوْرَيْها: الفكري، والقيادي؟

«التوازن» كلمة مخادعة، فأنا أفضل كلمة «التناغم»؛ فالتوازن قد يوحي بقسمة عادلة للوقت، وهذا مستحيل حدوثه. أما التناغم، فيعني أن تعطي كل الأدوار القيمة والوقت، اللذين يتماهيان مع طبيعتها، وتصب كل الأدوار في مصب واحد، هو تحقيق الذات، وخدمة المجموع. والمرأة المثقفة تدرك أن نجاحها القيادي لا قيمة له؛ إذا خلف وراءه بيتاً مُعرَّضاً للتفكك، والسر يكمن في إدارة جودة العمل، وأداء الدور المطلوب بحكمة، لا أن تكون المرأة حاضرة بقلبها وعقلها في اللحظة التي تعيشها، سواء كانت تدير اجتماعاً، أو تحتضن طفلها. والتحدي هو ألا نسمح لأدوارنا بأن تتصارع، بل بأن تتكامل؛ ففكر المرأة يغذي تربية أبنائها، وتجربتها كأم تمنح قيادتها، وعملها، بُعْداً إنسانياً ورحمة. وهذا - من وجهة نظري - ما يمكن أن أسميه «التناغم الخلاق».

قيمة العطاء

كرئيسة لمجلس إدارة مؤسسات الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافية والتعليمية، منذ 30 عاماً.. ما الذي يجعل «المؤسسات» تستمر بروح متجددة، كما ترين؟

لقد علمتني ثلاثة عقود من العمل المؤسسي أن الاستدامة، خاصة في المجال الثقافي، تقوم على معادلة دقيقة، هي: ثبات القيم والهوية من جهة، وتطور الأدوات والوسائل من جهة أخرى. فبناء مجتمع المعرفة، وتعزيز قيمة القراءة، ليسا عملاً مجتمعياً عابرًا، بل هما - لديَّ - رسالة حياة، أؤمن بها بعمق. والمؤسسات الثقافية - كما أرى - كائنات حيّة تنمو، وتتطور، وقد «تشيخ»؛ إذا لم نمنحها العناية الكافية، ونواصل تحديث أدواتها ومفاهيمها وقدراتها. إن دورنا يكمن في أن نصغي إلى صوت المجتمع مهما كان خافتًا، وأن نلتقط مبكرًا إشارات المستقبل. حين ظهرت التكنولوجيا، لم نواجهها برفض أو خشية، بل قمنا بتطويعها لخدمة رسالتنا. وحين تغيّرت اهتمامات الشباب، ابتكرنا لغة جديدة، تلامس عقولهم، وتستجيب لإيقاعهم السريع. والسر الحقيقي يكمن في الإخلاص للفكرة، والقدرة على إعادة تشكيل الوعي، دون التخلي عن الجوهر، والقيم الوطنية الراسخة. وأبرز ما نعتز به في مؤسساتنا، هو تلك المبادرات التي تزرع أثراً حقيقياً في الإنسان، مثل: «ست دقائق قراءة، ومكتبة أجيال المستقبل، والقراءة حرية، وأكاديمية الحلم والسعادة، وجوائز الإبداع، وبرامج التثقيف البيئي». إن كل مبادرة منها تستثمر في الإنسان قبل أي شيء، وتبني أجيال المستقبل بثقة ورؤية. فالإنسان الإماراتي - كما يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان - هو الثروة الحقيقية، والعمل الثقافي إحدى أهم الأدوات؛ لصَوْن هذه الثروة، وتنميتها.

ماذا يمثل لكِ الفوز بجائزة «شخصية العام الثقافية 2025»؟ 

هذا الفوز مثل لي منعطفاً كبيراً؛ لتقدير رحلة فكرية وثقافية ممتدة، بدأت منذ اللحظة التي فتح فيها والدي، الشيخ محمد بن خالد آل نهيان، طيب الله ثراه، نافذة واسعة أمامي على فضاء المعرفة والفكر، حين أهداني الكتاب الأول، وبه بدأت رحلتي مع القراءة. لذلك؛ أهدي هذه الجائزة إلى روحه الطيبة؛ التي ترافقني مع كل كتاب أفتحه؛ فأستعيد كلماته التي كانت تحثني دائماً على القراءة، والتفكير، والحوار. وفي مضمونها، لا تمثل هذه «الجائزة» نهايةَ مسارٍ، بل بداية جديدة، وانعطافة أخرى، نحو مزيد من العمل على دعم الفكر والمعرفة، وبناء مجتمع المعرفة في دولة الإمارات. كما تُضاعف إحساسي بالمسؤولية تجاه تعزيز القراءة كسلوك إنساني يومي، لا سيما لدى الطفل؛ لتنمية أجيال إماراتية تعي قيمة المعرفة في بناء المستقبل، وترى القراءة فعلاً ثقافياً بنّاءً ومؤطِّراً للمستقبل، وداعماً لبناء اقتصاد المستقبل، القائم على إنتاج المعرفة، لا على استهلاكها فقط.

حصلت على «البصمة الذهبية»، ما الذي يجعل العمل الإنساني لديك أكثر من واجب اجتماعي؟

إنني لا أعتبر العمل الإنساني واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل فلسفة وجود، وطريقة للتصالح مع الذات؛ فهو اللغة الوحيدة القادرة على تجاوز حواجز: اللغة والعرق والدين، والوصول مباشرة إلى جوهر الإنسان. فالعطاء - في أعمق صوره - نوع من الشفاء الروحي؛ ففي اللحظة التي تمد فيها يدك لتزيح عثرة إنسان؛ فإنك - في الحقيقة - تسمو بروحك، وتعيد ترتيب أولوياتك الإنسانية. وقد تربينا، في الإمارات، على هذه القيم منذ القِدَم: الفزعة، والتكافل، واحترام الآخر، وهي قيم غرسها بداخلنا آباؤنا وأجدادنا، ورسّخها فينا الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جعل الخير منهجًا للحياة وليس مبادرة موسمية. لذلك تأتي الجوائز، ومنها «البصمة الذهبية»، تذكيراً بأن هذا الإرث العميق لم يأتِ من فراغ، بل على أكتاف رجال، ونساء، آمنوا بأن الإنسانية أساس الحضارة. إن العمل الإنساني لا يقتصر على المساعدات المادية أو المالية؛ فمساعدة الإنسان في بناء وعيه، وتنمية شخصيته، أسمى أشكال العطاء. بأن تعلّمه كيف يفكّر، وكيف يقرأ، وكيف يكتشف إمكاناته، وهي امتداد للمثل الصيني الشهير: «لا تعطِني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد»؛ فالعطاء الحقيقي هو تمكين الإنسان من نفسه. وفي النهاية، العمل الإنساني تذكير دائم بأن مصيرنا واحد، وأن مستقبل البشرية لا تحميه القوة وحدها، بل التكافل والوعي، وأن نجاتنا - كبشر - تكمن في قدرتنا على أن نقف معًا، لا أن نقف متفرقين!

  • الشيخة الدكتورة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان: الهوية جذر نحلق منه إلى العالم

حصلتِ عـلــى ســلـســلـــة مــن الجوائز والتكريمات خلال مسيرتك.. هل هي إنجاز شخصي، أم تقدير لمسيرة بيت؟

لديَّ قناعة بأنه لا يوجد إنجاز فردي مطلق؛ فالإنسان ابن بيئته، وابن من علموه، وأنا ابنة هذا المجتمع الإماراتي الأصيل، وملامحي الثقافية انعكاس للهوية الوطنية، التي شكلت وعيي الذاتي. وكل جائزة أتسلمها أرى فيها وجه والدي الشيخ محمد بن خالد آل نهيان، طيب الله ثراه، فهو الذي علمني حب المعرفة. وفي وجه والدتي الشيخة حمدة بنت محمد بن خليفة آل نهيان، حفظها الله، التي علمتني المحبة والصبر. كما أنني أعتبر هذه التكريمات شهادة استحقاق للوعي والفكر والقيم التي نحملها؛ فهي تقدير لنهج البيت الإماراتي، الذي يؤمن بأن العلم والثقافة والعمل الإنساني أركان الحضارة، والجوائز تزيد ثِقَل الأمانة على كاهلي، وتدفعني إلى أسئلة دائمة، مثل: ماذا بعد؟.. وكيف أتخطى هذه المرحلة إلى ما هو أبعد منها؟.. وكيف أبقى، دائماً، في حالة شغف وبحث عما يمكن أن أقدمه إلى مجتمعي، ووطني، والإنسانية؟!

بيت إماراتي

ما أثر «بيت الطفولة» في تشكيل وعيك؟

«بيت الطفولة» ليس جدرانًا وذكريات عابرة؛ فهو المختبر الأول للقيم، والبوصلة الأخلاقية التي لا تخطئ في ذلك البيت، فقد تعلمت أن السنع ليس مجرد بروتوكول، بل فلسفة حياة، قائمة على الاحترام، والتقدير، وتعلمت أن المعرفة قوتنا الحقيقية، واستلهمت من عطاء أبي، طيب الله ثراه، أن المعرفة قوة، والقراءة باب المعرفة، والكتاب درع العقل في مواجهة التحولات، وبناء الجسور مع الثقافات. البيت الإماراتي القديم - ببساطته، وانفتاحه - علمني أن قوة العلاقات أهم من قوة المال، وأن التواضع سمة الكبار. وقد تشكل وعيي في المجالس، التي كانت تُدار فيها الحوارات بحكمة وهدوء؛ فأدركت أن الكلمة مسؤولية، وأمانة. ذلك البيت هو الجذر الذي يمدني بالثبات؛ كلما عصفت رياح التغيير؛ فكلما حلقت في سماوات المعرفة الحديثة، أعود دائماً لأستريح تحت ظل قيم ذلك البيت الأصيل، بين يدَيْ أمي (حمدة)، حفظها الله.

ما الذي تتمنينه كبداية جديدة للمجتمع الإماراتي.. في العام الجديد؟

لا يمكن أن ننكر أن التقنية - خاصة الذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي - جعلتنا نعيش حالة انبهار شديدة في السنوات الماضية؛ لذلك أتمنى أن ننتقل من مرحلة الانبهار بالتقنية إلى مرحلة سيادة الوعي. فأريده مجتمعاً متلاحماً، لا تسرقه «الشاشات الزرقاء» من دفء العلاقات الواقعية. ويزداد فيه عدد البيوت التي يكون فيها الكتاب الصديق الثالث، بعد الأب، والأم!.. وأن نرسخ مفهوم المواطنة الإيجابية الشاملة؛ حيث يشعر كل فرد بأنه مسؤول عن سمعة وطنه، وبيئته، ومستقبل الأجيال القادمة. كذلك، أتمنى أن نظل واحة للتسامح، بوعي يحمي خصوصيتنا، وأن نستمر في بناء وتعزيز فاعليتنا في صناعة الحضارة الإنسانية الجديدة، لا مجرد مستهلكين لمنتجاتها.

مع بداية عام 2026.. إذا طُلب منك أن تهدي أبناء الأجيال القادمة جملة واحدة، فماذا ستقولين؟

أقول لهم: لا تجعلوا التكنولوجيا تسرق منكم أرواحكم ووعيكم، ولا تجعلوا «العولمة» تنسيكم جذوركم. وتمسكوا بالوعي قوةَ وجود، وبالإنسانية بوصلةً في الحياة، وبالوطن هويةً راسخةً، نبني على قواعدها رؤيتنا لمستقبل الوطن. فالمستقبل لا يرحم الضعفاء، ولا يحترم المُقلدين، بل يفتح أبوابه لمن يملكون جذراً في الأرض، وفرعاً في السماء!