في ذاكرة الإمارات، تحضر الوالدة آمنة خليفة القمزي؛ بوصفها إحدى النساء اللواتي صنعن أثراً بالفعل، والعطاء. إنها رائدة الزراعة العضوية في أبوظبي، وصاحبة مسيرة بدأت من «حوش» منزلها في ستينيات القرن الماضي، وتُوجت بتكريمها بـ«جائزة أبوظبي»؛ تقديراً لإسهاماتها في خدمة الوطن والمجتمع. آمنت القمزي بقدرة الأرض على العطاء؛ رغم ملوحة التربة، والمناخ الصحراوي؛ فحولت التحدي إلى مزرعة نابضة بالحياة، ورسالة استدامة شاركتها الجميع.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، نقترب من محطات رحلتها، والقيم التي شكلت شخصيتها، ومسيرتها:
كيف بدأتِ مسيرتك في عالم الزراعة العضوية، وما الذي ألهمك الانطلاق من «حوش» منزلك؟
بدأت رحلتي أوائل الستينيات من منزلي في أبوظبي، حيث زرعت بذوراً كنت قد حصلت عليها من أحد التجار، في «حوش» المنزل. ورغم محدودية الإمكانات، آنذاك، وملوحة الأرض، والمناخ الصحراوي، واصلت العمل بإيمان راسخ بأن الإمارات قادرة على الإنتاج. ومع هذا الإيمان، وذلك الإصرار، تحولت المساحة البسيطة إلى مزرعة مثمرة بالخضراوات والفواكه، وكنت أوزعها على الأهل، والجيران.
حافز.. وابتكار
ماذا عن دعم القيادة الإماراتية لتطوير مشروعك الزراعي؟
لقد كان دعم قيادتنا الرشيدة أساسياً في مسيرتي بالمجال الزراعي. ومن دواعي فخري أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان من المشجعين والداعمين لجهودي، فمنحني أرضاً زراعية واسعة، ووجهني إلى التوسع في مجال الزراعة العضوية. كان هذا الدعم حافزاً لي لتطبيق أفكار مبتكرة، وزراعة أصناف متعددة من الخضراوات والفواكه، والأعشاب، وصولاً إلى أكثر من 70 صنفاً، كل ذلك دون استخدام أي مواد كيميائية.
-
آمنة القمزي: الزراعة العضوية مسؤولية وطنية وحق للأجيال
اليوم.. ما الذي يجعل الزراعة العضوية مهمة في دولة الإمارات؟
الزراعة العضوية جزء من مسؤوليتنا تجاه الوطن، وحق للأجيال القادمة؛ لأنها تساعد في الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزز الاكتفاء الذاتي الغذائي، وتقلل الاعتماد على المواد الكيميائية الضارة. كما تساعد في تمكين المجتمع من إدراك أهمية الممارسات البيئية الصحية، بما يرفع مستوى الوعي البيئي، بصورة عامة.
على مدى عقود.. كيف نقلت خبرتك، ومعرفتك، إلى الآخرين؟
لطالما حرصت على مشاركة مَنْ حولي - جيراني أو محيطي المجتمعي - معرفتي بآلية الزراعة في مختلف المواسم، وكيفية التعامل مع ظروف الأرض، والمناخ. وبمرور الوقت، أصبحت ورش العمل، والمحاضرات، جزءاً من أنشطتي؛ لدعم كل من يرغب في تعلم الزراعة العضوية، والاستدامة البيئية.
كُرمتِ بـ«جائزة أبوظبي»، فما أثر هذا التكريم في مسيرتك؟
تكريمي بـ«جائزة أبوظبي» لحظة كلها فخر واعتزاز، ليس لي وحدي، بل لكل من يدعم الزراعة العضوية في الدولة. فـ«الجائزة» تقدر الجهود المبذولة لخدمة المجتمع، وأعتبرها، أيضاً، تقديراً لأهمية الزراعة المستدامة، والعمل الدؤوب من أجل الأجيال القادمة. وقد كانت دافعي لمواصلة العطاء، وتعزيز المعرفة، والخبرة؛ لتكون الزراعة العضوية جزءاً من حياة المجتمع. كما تم تكريمي، سابقاً، من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية (أم الإمارات)؛ فسموها الداعم الأول للمرأة الإماراتية، وقدوتنا الأولى في مجتمع يُمكن المرأة في المجالات كافة.
بصمة عميقة
بصفتك قدوة، ما الرسالة التي تودين إيصالها إلى الشابات الإماراتيات؟
رسالتي لهن أن يؤمنَّ بأنفسهن، وأن يواصلن السعي؛ مهما كانت التحديات. وأن يتذكرن أن الصبر والمثابرة يصنعان النجاح الحقيقي، والعطاء يُخلد الأثر.. جميعكن قادرات على ترك بصمة عميقة، تبني مستقبلاً أكثر إشراقاً.
ما أهم القيم، التي شكلت شخصيتك، ومسيرتك؟
الصبر، والقناعة، والتوكل، مقرونة بحب العلم والعمل والابتكار. كما أن الإيمان العميق بالقدرة على التغيير، وبتحويل التحديات إلى فرص، كان الدافع الأكبر لي. فكل تحدٍّ درس، وكل نجاح نقطة انطلاق إلى مشروع جديد.
كيف ترين مستقبل الزراعة العضوية في الإمارات؟
مستقبل الزراعة العضوية في الدولة مشرق وواعد؛ فبدعم القيادة، ورؤيتها لتعزيز الوعي المجتمعي، أصبحت لدينا كل المقومات؛ لنصبح نموذجاً للابتكار، والاستدامة الزراعية. وما يُهم هو الاستثمار في الأجيال القادمة، بتقديم المعرفة والخبرة، ليكون أبناؤنا سفراء حقيقيين للتغيير المستدام.