هل يمكن للصحراء أن تكون مهدًا للحضارة؟.. وهل يستطيع موقع واحد أن يروي قصة التكيّف البشري الأقدم، والأكثر مرونة؟
في قلب منطقة مليحة بالشارقة، ينهض «جبل الفاية»، ذلك الموقع الأثري، الذي أصبح علامة فارقة على الخريطة العالمية للتاريخ البشري؛ عقب إدراجه في قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي. ويُعد هذا الإنجاز اعترافًا بمكانة «الفاية» كأقدم موقع للاستيطان البشري في المناطق الصحراوية، أو الجافة خارج أفريقيا، حيث يعود تاريخه إلى نحو 210 آلاف سنة.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
رحلة إلى المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ
تنطلق تجربة استكشاف «الفاية» من مركز مليحة للآثار، الذي يشكل بوابة لفهم العمق الزمني، الذي تختزنه هذه الأرض. فالموقع ليس مجرد نقطة أثرية منفردة، بل مشهد ثقافي واسع، يمتد تأثيره إلى العصر الحجري الحديث. وفي المتحف الملحق بالمركز، يمكن الاطلاع على تسلسل الاكتشافات، التي قادت إلى إدراج «الفاية» ضمن قائمة التراث العالمي، إضافة إلى عرض أدلة على وجود الإنسان، وعيشه بجانب الحيوانات المستأنسة، مثل: الأغنام، والأبقار، ما يعكس الخصوبة القديمة للمنطقة.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
مشهد ثقافي شاسع
بعد مغادرة «المركز»، تبدأ الجولة باتجاه المنطقة الأثرية المترامية، التي تتطلب مركبات مجهّزة لعبور الطرق الوعرة، والكثبان الرملية. وتمتد الزيارة عبر محطات متعددة، تشمل: مواقع القبور، وكهف جبل الفاية، ومنطقة الينبوع من العصر الحجري الحديث، حيث اكتُشفت مساكن، ومقبرة، ارتبط وجودها بوفرة المياه، و«وادي الكهوف»، الذي دُفن فيه الموتى بزينتهم وقلائدهم، ثم الكثبان الرملية والحديقة الجيولوجية، وصولًا إلى موقع «ستار دوم»، الذي يتخذ شكلًا نجميًا، ويقدّم تجربة بصرية استثنائية. وفي رحاب هذا المشهد الثقافي، الممتد على مساحة 95 ألف هكتار، تتكشف الرؤى حول الدور المحوري، الذي لعبته المنطقة في الهجرات البشرية المبكرة.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
إعادة تشكيل خريطة الهجرة
يمتاز «موقع الفاية»؛ بامتلاكه أحد أقدم وأطول السجلات المتصلة، لوجود الإنسان في البيئات الصحراوية. وقد أكّد سعادة عيسى يوسف، مدير عام هيئة الشارقة للآثار، أن «الفاية» يعد من أقدم أماكن الجزيرة العربية، التي احتضنت الإنسان، ومكّنته من البقاء والتكيّف عبر آلاف السنين. وتعيد هذه الاكتشافات تشكيل الفهم العالمي لمسارات الهجرة البشرية، إذ تُظهر أن شبه الجزيرة العربية لم تكن مجرد ممر عابر، بل كانت موطنًا صالحًا للحياة، ولنشأة المجتمعات الأولى.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
بصمة تقنية متفردة
تتميّز الأدوات الحجرية، المكتشفة في «الفاية»، بتقنياتها الفريدة؛ فهي طولية الشكل، بخلاف الأدوات المثلثة، أو البيضاوية المنتشرة في شمال الجزيرة العربية. وقد صُنعت باستخدام تقنية «الاختزال ثنائي الوجه» المتقدمة، ما يعكس مهارة عالية، ووعيًا دقيقًا باستثمار المواد الخام. وتشير هذه الأدوات، المرتبطة بـ«الإنسان العاقل» (Homo sapiens)، إلى مستوى متطور من الابتكار، يماثل ما هو معروف في مواقع أفريقية معاصرة، ويؤكد قدرة الإنسان المبكر على التأقلم مع بيئة صعبة، ومتغيرة.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
«الفاية» موقع للاستقرار
توضح الاكتشافات أن «الفاية» لم يكن مجرد محطة انتقال، ضمن مسار الهجرات البشرية، بل كان موقعًا مستدامًا للسكن، والتطور. يؤكد الدكتور أسامة خليل، خبير التراث العالمي، أن طبقة الاكتشافات الأخيرة تعد من أهم ما وُجد في الموقع، إذ تقدم أدلة علمية تعزز السردية التاريخية للوجود البشري، الممتد فيه لأكثر من 210 آلاف عام.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
إنجاز عالمي.. ومسؤولية مستدامة
يأتي إدراج «الفاية»، ضمن قائمة التراث العالمي، تتويجًا لجهود بحثية وتنقيبية، بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو ثاني موقع في دولة الإمارات يُدرج بالقائمة، ما يعكس التزام الدولة بحماية تراثها الثقافي، وتطبيق أعلى المعايير الدولية.
-
رحلة «الفاية» الأثرية تُعيد كتابة التاريخ
اليوم، «الفاية» ليس مجرد أرض تحمل آثارًا قديمة، بل مصدر إلهام يربط الحاضر بالماضي، ويُظهر كيف أتقن «الإنسان العاقل» فنون البقاء منذ آلاف السنين، في هذا الركن الحيوي من شبه الجزيرة العربية. إنه إرث ضخم تحميه منظومة قانونية متقدمة، وفق القانون رقم (4) لسنة 2020، ويدعو الزوار إلى رحلة تتجاوز الزمن؛ لاستكشاف الأرض، التي تحدثت، يومًا، بلغة الأجداد الأوائل.