لدى لقائنا مع باسكوالِي جونيور ناتوزي، الرئيس التنفيذي لمشاريع وعقود «ناتوزي»، بدا أنه رجل يؤمن بأن عالم التصميم لا يقوم فقط على الجماليات، بل على فهمٍ عميق للإنسان واحتياجاته المتغيرة. فتحدث عن رؤيته للشركة؛ بوصفها مساحة تلتقي فيها الحِرفية الإيطالية مع الابتكار، حيث لا تُصمَّم القطع لتكون مجرد أثاث، بل لتشكّل جزءاً من حياة الناس اليومية. ويؤكد أن كل مرحلة في مسيرته المهنية أضافت إليه منظوراً جديداً، وأسهمت في بناء فلسفة تصميمية، ترتكز على الراحة، والاستدامة، والقدرة على التكيّف مع أنماط الحياة المختلفة، مع الحفاظ على هوية «ناتوزي»، كعلامة تعبّر عن التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

  • باسكوالي جونيور ناتوزي: نمنح الإنسان تجربة مختلفة

جذور عريقة.. ورغبة لا تهدأ في التجديد

على مدى عقود، عُرفت «عائلة ناتوزي» باحترام التقاليد السردية للحِرَفية الإيطالية، غير أن باسكوالي جونيور ناتوزي لم يكتفِ بأن يرث هذه التقاليد، بل سعى إلى إعادة صياغتها، بما يناسب القرن الحادي والعشرين. كان يؤمن بأن القيم الحقيقية لا تُلغى، بل تُعاد ترجمتها؛ لتصبح جزءًا من الحداثة. قال لنا خلال اللقاء: «نحن نبتكر؛ لنمنح الإنسان تجربة مختلفة.. تجربة تقدم علاقة جديدة مع المنزل، لا مجرد قطعة أثاث». وهكذا.. تتجلى فلسفة «ناتوزي» في توازن دقيق بين الموروث والابتكار، وبين الحرفية التي ورثتها «العلامة» من جنوب إيطاليا، والجرأة التي تدفعها اليوم نحو مستقبل متجدد.

  • باسكوالي جونيور ناتوزي: نمنح الإنسان تجربة مختلفة

أسبوع دبي للتصميم.. فصل مضى وترك أثره

قبل شهرين، شاركت «ناتوزي» في أسبوع دبي للتصميم 2025، حيث قدمت مجموعة «Rooted in Harmony»، ضمن جناح استثنائي، صُمّم ليكون تجربة حسية غامرة. وعندما تحدث باسكوالي عن هذه المشاركة، أظهر تقديرًا كبيرًا لما تمثّله دبي على خريطة التصميم العالمي، فقال بصوت يختلط فيه الإعجاب بالخبرة: «نرى في دبي مختبرًا حيًا للتطور؛ فهذه المدينة لا تكتفي بمواكبة التصميم، بل تصنع معاييره. وبمرور السنوات، رأينا المشهد الإبداعي يكبر، ويتنوع، وتزداد فيه الجرأة على التجريب». بالنسبة إليه، أصبحت دبي فضاءً يحرّض المُصمِّمين على التفكير بطريقة جديدة، تمامًا كما يفعل مع فريقه.

  • باسكوالي جونيور ناتوزي: نمنح الإنسان تجربة مختلفة

متجذّرون في التناغم

وحين انتقل حديثه إلى مفهوم «Rooted in Harmony»، اكتسبت كلماته نبرة شاعرية؛ فقال: «هذا المفهوم ليس فكرة تصميمية، بقدر ما هو طريقة للنظر إلى العالم. فالجمال الحقيقي يبدأ من الجذور، من علاقتنا بالأرض، والمواد، والضوء، والطبيعة التي تحيط بنا. إن التناغم ليس زخرفة، بل حاجة بشرية». لذلك، جاء «الجناح» أقرب إلى رحلة حسية، تتقاطع فيها الأصوات والضوء والمواد؛ ليشعر الزائر بأن التصميم يجب أن ينتمي إلى المكان، الذي وُلد فيه. وأضاف: «أردنا أن يشعر الزائر بأن كل شيء يتحرك بتناغم داخلي، كما لو أن المساحة تتنفس من خلال الجدران، والملمس، والظلال». وقد صُمم «الجناح»، بالتعاون مع استوديو «Etereo»، الذي يشترك مع «ناتوزي» في احترام التفاصيل، والضوء، والمساحة. وعن هذا التعاون، قال باسكوالي: «وجدنا في (إيتيريو) فكرًا يشبهنا، وإيمانًا بأن المساحة ليست قفصًا للأثاث، بل مسرح للحياة». وقد وفر هذا التفاهم بيئة تركيبية، يشعر الداخل إليها كأنها جزء من قصيدة معمارية.

  • باسكوالي جونيور ناتوزي: نمنح الإنسان تجربة مختلفة

الأثاث يتكيّف مع حياة الناس

أما المجموعة، التي أثارت شغفه بوضوح؛ فهي «Amama»، التي صمّمها أندريا شتايدل خصيصًا لـ«ناتوزي».. يقول باسكوالي عنها: «(أماما) ليست قطع أثاث، بل طريقة جديدة للتفكير؛ فالناس اليوم يحتاجون إلى مرونة حقيقية، وبيوت تتغير معهم.. فلماذا يبقى الأثاث ثابتًا؟». ويرى أن المستقبل يتجه نحو قطع قادرة على التشكّل بمرونة، دون أن تفقد جمالها، أو وظيفتها. ويضيف: «(أماما) تعيد تعريف الألفة.. وتعطيك الحرية»؛ لهذا جاء التصميم غنيًا بالقوامات، والألوان، المستوحاة من الأرض، والبحر.

  • باسكوالي جونيور ناتوزي: نمنح الإنسان تجربة مختلفة

رؤية تتوسع نحو السكن

كان إطلاق مشروع «Natuzzi Harmony Residences» بداية فصل جديد.. فبالنسبة إلى باسكوالي ناتوزي، أصبح للعلامة حضور يتجاوز حدود الأثاث، إلى صياغة أسلوب حياة كامل.. يقول: «الإنسان لا يعيش على قطعة أثاث، بل داخل بيئة. ونحن نريد أن نصمم هذه البيئة». وعن الهوية الإيطالية، يوضح: «نحن نحمل روح (بوليا) معنا، لكننا نفتح قلوبنا للثقافات التي نوجد على أرضها». والاستدامة - في رأيه - التزام أساسي.. ويؤكد: «الطبيعة ليست مخزنًا للموارد.. إنها شريك في الإبداع».. وهكذا تصبح كل قطعة من «ناتوزي» جزءًا من منظومة تُعلي الجودة، وتقلل الأثر البيئي.. وفي نهاية حديثه، قال: «نريد للناس أن يشعروا بأن الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة. وأن يفكروا دائمًا: كيف يمكن للانسجام أن يصبح أسلوب حياة؟».