هناك مدن لا تُعرَف فقط بجمالها أو تاريخها، بل بنكهاتها المتجذّرة في الأرض والذاكرة، حيث يصبح الطعام لغة، وتحمل كل لقمة قصة بقاء وهوية.
هذه المدن، التي منحتها منظمة «اليونسكو» لقب «مدن فنون الطهي»، لا تقدّم أطباقاً فحسب، بل تروي تاريخاً كاملاً من الصمود، والارتباط بالأرض، واحترام الطبيعة.
اليوم، لا يتجاوز عدد هذه المدن ستاً وخمسين مدينة حول العالم، اختيرت بعناية لتكون شاهدة على أن التراث الغذائي لا يقل أهمية عن اللغة، أو العمارة، أو الفنون. ففي هذه الأماكن، يُزرع الطعام محلياً، ويباع في الأسواق المفتوحة، ويُدرَّس في المدارس، ويُقدَّم بوعي بيئي وثقافي عميق. وكل أربع سنوات تخضع هذه المدن لإعادة تقييم صارمة؛ للتأكد من أن نكهة الأصالة لا تزال حاضرة، ولم تبهت.
من صحراء أريزونا إلى سهول إيطاليا، ومن أنهار كمبوديا إلى أقصى شمال السويد، تتشارك هذه المدن قناعة واحدة: الطعام ليس مجرد وقود للجسد، بل وعاء للذاكرة، ومرآة للهوية، وطريقة لفهم من نكون وإلى أين ننتمي.
أوسترسوند - السويد.. فن التخزين في أقصى الشمال:
-
مدن عالمية تأسر هواة التذوق
على مشارف الدائرة القطبية الشمالية، تقف أوسترسوند السويدية مثالاً على أن القسوة المناخية قد تصنع مطبخاً مبدعاً. هنا، الشتاء طويل ومظلم، والصيف قصير ومشرق. والمائدة تعتمد على ما يمكن حفظه: لحوم الرنّة، والأسماك القطبية، والأجبان المحلية، والتوت البري.
وتُعد أوسترسوند من أولى مدن فنون الطهي المعترف بها من «اليونسكو»، بفضل تركيزها على الاستدامة والحِرف الصغيرة. وفي مراكز تدريب محلية، يتعلّم الجيل الجديد تقنيات تخمير الطعام، وتجفيفه، وحفظه، ليس بدافع الحنين، بل كاستراتيجية للمستقبل.
والطهي، هنا، يعكس المناخ، وحفظ محصول الصيف؛ ما يضمن الاستمرار خلال أشهر البرد الطويلة. وحتى أنظمة التدفئة في المدينة تعمل بالوقود الحيوي، في انسجام كامل مع فلسفة العيش الخفيف على الأرض.
توكسون - أريزونا.. حين تُملي الصحراء ما يُطهى:
-
مدن عالمية تأسر هواة التذوق
مع شروق الشمس السريع في صحراء سونورا، يبدأ النهار بحرارة خانقة، ورائحة دخان خفيف مصدره أفران الحطب. وعند السادسة صباحاً، يكون الهواء مشبعاً برائحة خشب المسكيت، فيما تختمر أرغفة الخبز المصنوعة من قمح تراثي، زُرع هنا قبل قرون. وعند كسر القشرة، ينساب طعم حلو خفيف يحمل بداخله ذاكرة أجيال من المزارعين، والفيضانات، والأيادي التي رفضت أن تترك هذا الإرث يندثر.
هكذا أصبحت توكسون أول مدينة أميركية تنال لقب «مدينة فنون الطهي» من «اليونسكو»، ليس تقديراً للمذاق فحسب، بل كاعتراف بقدرة مجتمع كامل على تحويل المعرفة المتوارثة إلى منظومة غذائية متماسكة. ويكفي التجوّل في المدينة؛ لتلمّس هذا الإرث، من أطعمة الشارع التقليدية إلى المطاعم العريقة، التي تمزج ثقافات متعددة، في انعكاس صادق لتاريخ طويل من التعايش.
بارما - إيطاليا.. حين يصبح الطعم علماً يُدرَّس:
-
مدن عالمية تأسر هواة التذوق
في شمال إيطاليا، حيث الأراضي الخصبة، وسهول وادي «بو»، تحوّلت الوفرة إلى تقليد راسخ. وفي بارما، قلب وادي الطعام الإيطالي، لا يُترك الطعم للصدفة. فهنا، تُقاس النكهة بالوقت، وتُغلّف بالمعرفة، وتُعلّق في الهواء الممزوج برائحة الحليب والملح.
وقد منحت «اليونسكو» بارما لقب «مدينة فنون الطهي»، ليس فقط بسبب منتجاتها المحمية عالميًا، مثل: جبن بارميجيانو ريجيانو، ولحم بارما المجفف، بل بسبب رؤيتها التعليمية الطموحة. ففي هذه المدينة، يتعلم الأطفال في المدارس لماذا تكون الطماطم ألذ في الصيف، ولماذا يُفضَّل الطعام الموسمي. وتُقدَّم وجبات مدرسية مصنوعة من حبوب وخضراوات محلية. فيما يدرس طلاب الجامعة كيف يمكن بناء مدن حول الطعام، لا حول الاستهلاك السريع.
وزيارة معامل الجبنة، والجلوس إلى مائدة تقليدية، يكشفان أن الذوق هنا نتيجة صبر، ومعرفة، واحترام لما تمنحه الأرض.
باتامبانغ - كمبوديا.. الطبخ كفعل شفاء:
-
مدن عالمية تأسر هواة التذوق
في مدينة باتامبانغ الكمبودية، للذاكرة رائحة عشبية دافئة، وتمتزج فيها رائحة الليمون العطري، وصلصة السمك، والدخان الخفيف. وعلى ضفاف نهر سانغكر، إحدى أكثر مناطق البلاد تضرراً بالحروب والألغام، تعجّ الأسواق بالأعشاب والخضار البري، في مشهد يعكس قدرة الحياة على الاستمرار.
وبعد عقود من الدمار، وفقدان الكثير من التقاليد، أصبح الطبخ هنا فعل ترميم صامتاً. وفي مطاعم عائلية بسيطة، تُقدَّم أطباق تحكي قصص الأرض والخسارة، مستخدمة منتجات موسمية من مزارع قريبة. وبالنسبة للطهاة المحليين، يعد الطعام وسيلة لاستعادة ما فُقد، ولتعريف الأجيال الجديدة بهويتها.
وانضمام باتامبانغ إلى شبكة المدن الإبداعية لليونسكو؛ كان اعترافاً بهذا الجهد، وبدور المطبخ في بناء الجسور الثقافية.
ما الذي يجمع هذه المدن؟
رغم اختلاف الجغرافيا والمناخ، إلا أن هذه المدن تتقاطع عند فكرة واحدة: أن الطعام ذاكرة حيّة، وأن الحفاظ عليه شكل من أشكال المقاومة الثقافية. وبالنسبة للمسافر المعاصر، لا يعني السفر إلى هذه الوجهات مجرد تذوّق أطباق جديدة، بل الدخول في حوار مع المكان، وفهم تاريخه عبر النكهة. وتذكّرنا هذه المدن بأن العودة إلى الجذور قد تكون أكثر ما نحتاجه على المائدة، وفي الحياة.